تخطي إلى المحتوى الرئيسي
كُنKUNKUN

التفكير الحسّي · مقال

ما هو التفكير الحسّي؟

تذكّر آخر مرّةٍ عرف فيها جسدُك شيئًا قبل أن تعرفه أنت. ليس هذا مزاجًا عابرًا — بل جسدُك يُحِسّ ويصنع المعنى، أسرعَ من الفكر وأصدقَ منه.

سامر حسن
سامر حسن٣ دقائق قراءةمؤسس أكاديمية كُن — مبتكر التفكير الحسّي® — أول عربي MCC
Read in English
ما هو التفكير الحسّي؟

تذكّر آخر مرّةٍ عرف فيها جسدُك شيئًا قبل أن تعرفه أنت. دخلتَ غرفةً فارتفع كتفاك قبل أن ينطق أحدٌ بكلمة. عاد إليك اسمٌ في اللحظة التي توقّفتَ فيها عن مطاردته. «أحسستَ» تجاه قرارٍ لم تملك له تفسيرًا بعد — وكنتَ على حقّ.

ليس هذا مزاجًا عابرًا. هذا جسدُك يفعل ما لم يكفّ عنه يومًا: يُحِسّ، ويصنع المعنى، أسرعَ من الفكر وأصدقَ منه.

التفكيرُ الحسّيُّ هو أن تعيش بالشراكة مع هذا الجسد — أن تَدَعَه يُحِسّ، وأن تثق بما يُحِسّ به، حتى يصير الحضورُ حالتَك المعتادة لا لحظةً نادرةً تمرّ. وكلمة «Soma» يونانيّةٌ تعني الجسد؛ فنحن كائناتٌ تصنع المعنى وتلتقي الحياةَ عبر صورةٍ ماديّة. وللعِلم الحديث اسمٌ لجوهر هذا الأمر: «الإدراك المُجسَّد» (embodied cognition) — أنّ الجسد يُشكّل العقل، لا العكسَ وحده. والتفكيرُ الحسّيُّ فلسفةٌ ومنهجٌ في الكوتشينج معًا، مبنيّان على هذه الحقيقة.

وإليك الآليّةَ الهادئة. في كلّ لحظةٍ تستقبل الحياةَ عبر جسدك، وتصنع المعنى في داخلك، ثم تعود فتفعل في العالم عبر جسدك من جديد. الجسدُ هو الجسرُ بين عالمك الداخليّ وعالمك الخارجيّ. ويمكننا تتبّعُ العبور في ستّ خطوات: تُحِسّ، ثم تُدرِك، ثم تمنح المعنى، ثم تتشكّل الأفكارُ والمشاعر، ثم تقرّر، ثم تفعل. أكثرُنا يعيش عند الطرفين فقط — أوّلِ إحساسٍ وآخرِ فعل — ويقفز، دون أن يدري، فوق كلّ ما بينهما. التفكيرُ الحسّيُّ يُبطئ هذا العبور حتى تُحِسّ بكلّ خطوة. (كيف تُعلّمنا فراشةٌ واحدةٌ هذه الدورةَ كلَّها — لها مقالٌ خاصٌّ بها. ←)

وحين تُبطئ العبور، تنتبه إلى أنّك نادرًا ما تكون وحدك في الداخل. ثلاثةُ رفاقٍ يُشكّلون طريقةَ لقائك لأيّ لحظة.

تنبيهٌ ودودٌ أوّلًا، ودعْني أقولُه لك بنفسي بوصفي مَن ابتكرها: هؤلاء الثلاثة هم ما أسمّيه «مُشكِّلات التجربة» — أو «المناظير الزمنية» إن أحببتَ المصطلح الأدقّ. وقد كان أهمَّ ما يعنيني حين ابتكرتُها أن يفهمها حتى أطفالي؛ فلا تستغرب إن ابتسمتَ — بل ضحكتَ — حين تسمع أسماءها.

ثلاث حالات تصنع تجربتك

  • «حركات» — ميلٌ نحو المستقبل

    يميل دائمًا إلى الأمام، نحو ما هو آتٍ: الخطط، والاحتمالات، وما تستعجل الوصولَ إليه. يسكن المستقبل.

  • «أستاذ تحكّم» — ميلٌ نحو الماضي

    يتمسّك بما تعرفه سلفًا — ما هو صوابٌ، وما هو مؤكَّد، وما نجح من قبل. يسكن الماضي.

  • «جدتي حكيمة» — مرتكزةٌ في الحاضر

    حاضرةٌ تمامًا، هنا — لا تتوقّع ولا تدافع، إنّما تُحِسّ بما هو أمامها حقًّا. تسكن الحاضر وتُجسّد الحضور.

لا أحدَ من الثلاثة عدوّ؛ أنت بحاجةٍ إليهم جميعًا. لطالما رسم علماءُ النفس كيف نعيش بين الماضي والحاضر والمستقبل؛ والتفكيرُ الحسّيُّ يمنح هؤلاء الثلاثةَ وجهًا وجسدًا — ويُريك كيف تَدَعُ «جدتي حكيمة» تتقدّم حين يَهُمّ الأمر. فالحضورُ، في النهاية، ليس إسكاتَ الاثنين الآخرين، بل أن تعرف أيُّهم يتكلّم الآن، فتختار.

لهذا وُجِد التفكيرُ الحسّيُّ: لا تقنيةً تؤدّيها، بل قدرةً تستعيدها — أن تُحِسّ بوضوحٍ أصفى، وأن تلتقي حياتَك بصدقٍ أعمق، وأن تستعيد رفيقًا قديمًا طالما عُلِّمتَ أن تتجاهله: جسدَك.

حين تستعدّ، البابُ مفتوح.

إلى أين بعد هذا؟

ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.
منهجية التفكير الحسّي

انشر

شارك مع من ستنفعه

إن لامسك هذا، مرّره لمن يحتاجه.