تخطي إلى المحتوى الرئيسي
كُنKUNKUN

التفكير الحسّي · بودكاست

حِسّ · الحلقة 1: الذكاء الحسّي — المعرفة الجديدة التي على الإنسان أن يتعلّمها

الحضور ليس انسحاباً من الحياة، بل انخراطٌ فيها بكلّ ما فيها. في الحلقة الأولى من حِسّ، أجلس مع «الذكاء الحسّي» الذي صار معرفةً جديدةً لسنة 2026 — ولماذا كلّما اقتربت الآلة من العقل احتاج الإنسانُ أن يرجع إلى جسده.

سامر حسن
سامر حسن٤ دقائق قراءةمؤسس أكاديمية كُن — مبتكر التفكير الحسّي® — أول عربي MCC
Read in English
الحلقة ١١٢ دقيقة

الحضور ليس انسحاباً من الحياة. هو انخراطٌ فيها بكلّ ما فيها — النور والظلّ — وتكيُّفٌ مع ما هو موجودٌ كما هو، وتركُ أثرك عليه.

هذه هي الفكرة التي أردتُ أن أجلس معها في الحلقة الأولى من Sense. ليس لأنها جديدة عليّ — بل لأنّ العالم من حولي بدأ أخيراً يستخدم كلمةً لها اسمٌ عندنا منذ أكثر من عشر سنين.

ما اكتشفه الغرب هذه السنة

قبل فترةٍ قصيرة، أصدرت واحدةٌ من أكبر منصّات رصد الاتجاهات في العالم — اسمها Nextatlas — تقريراً فيه كلمةٌ لفتت نظري. قالوا إنّ "الذكاء الحسّيّ" — المعرفة التي تمرّ عبر الجسد — صار شكلاً جديداً من أشكال المعرفة لسنة ألفَين وستّة وعشرين. ليس موضةً. ليس ترفاً. بل معرفةً يحتاج الإنسانُ أن يتعلَّمها كما تعلّم القراءة والحساب، ليفهم نفسه ويفهم العالم من حوله.

قرأتُ التقرير ولم أفاجأ. لأنني أُدرِّس هذه الفكرة بالضبط، تحت اسم "منهجيّة التفكير الحسّيّ"، منذ أكثر من عشر سنين. التقرير لم يكتشف شيئاً جديداً. التقرير لحقَ بشيءٍ كان يحدث في صمت منذ زمن. وكلّ مَن درَّبتُه من خمسمئة كوتش في أربع قارّات كان يعمل على هذا الأمر قبل أن يصير عنوان تقرير.

ما الذي تغيَّر إذن، ولماذا الآن؟

السؤال الذي كنتُ أنتظره

سألتني شهيرة في الحلقة عن ظاهرةٍ تنتشر على التك-توك: فيديوهاتٌ قصيرة — ستّون ثانية فقط — تَعِدك بأن تُعيد "ضبط" جهازك العصبيّ في دقيقة. بعض المعالجين النفسيّين غضبوا وقالوا: "هذا غير معقول." وبعض الناس جرَّبوا وقالوا: "لحظة — في شيء يحدث فعلاً." فسألَتْني: ما رأيك أنت؟

الإثنان محقّان، وكلاهما يرى جزءاً من الصورة. الفيديو لا يُعيد ضبط جهازك العصبيّ. هذا صحيح. لكنه قد يفعل شيئاً أصغر وأهمّ: يُذكِّرك أن لك جسداً. يُذكِّرك أن الإشارات الحسّيّة الجسديّة موجودة، وأنّك ابتعدتَ عنها، وأنّ الطريق للعودة لا يبدأ بكتاب. يبدأ بنَفَس.

الناس جائعةٌ لهذا التذكير. ليس لأن الفيديو دواء. بل لأن الغياب طويل.

النظريّة التي بنيتها من عشرة آلاف ساعة

سجَّلتُ في الكوتشنج أكثر من عشرة آلاف ساعة. ومن داخل هذه الساعات، رأيتُ نمطاً يكاد يتكرَّر مع كلّ مَن يستخدم الذكاء الاصطناعيّ بجدٍّ واستمرار. طريقٌ له ثلاث محطّات:

شهرُ عسل — الإنجاز أسرع، والشعور بالبطولة، و"أنا أستطيع أن أفعل في يومٍ ما كان يأخذ أسبوعاً." هذا جميل. بل مُسكر.

قاع — لحظةٌ تكتشف فيها أنّك أنجزتَ الكثير، لكنّك لم تكن حاضراً في شيءٍ منه. أنّ البيت يتهدَّم بهدوء، والجسد يتعب، والمعنى ينسحب من الأشياء دون أن يُعلن عن انسحابه.

عودة — وهنا يبدأ العمل. العودة إلى الجسد. إلى النَّفَس. إلى اللحظة التي تُحسّها لا التي تُخطِّط لها.

وهذا ما يُفسِّر المفارقة التي يراها مُعدّو التقرير. كلّما اقتربت الآلةُ من العقل — كلّما صارت أذكى في اللغة والمنطق والعواطف — كلّما احتاج الإنسانُ أن يرجع إلى جسده. ليس هرباً من الآلة. بل لأنّ الآلة تأخذ من العقل كلّ ما يُمكن نقله إليها، فيبقى للإنسان ما لا يُنقَل: الحضور في الجسد.

وهنا أريد أن أكون دقيقاً. "الرجوع إلى الجسد" الذي أتحدَّث عنه ليس اعتزالاً، ولا انسحاباً إلى الجبل، ولا رفضاً للآلة والعالم. هو العكس تماماً. هو الطريقة التي تعود بها إلى حياتك كما هي، بكلّ ما فيها من ضجيجٍ وأداواتٍ وعلاقات، ومعك جسدٌ يقرأ ما يحدث فتعرف متى تتقدَّم ومتى تقف ومتى تُجيب. إن لم يجعلك الحضور أكثر انفتاحاً وقدرةً على التكيُّف دون أن تفقد نفسك، فأنت لم تمارسه كما ينبغي. أنت تمارس شيئاً آخر — ربّما هروباً، ربّما زينة. لكنّه ليس حضوراً.

ما قاله الغزاليّ قبل ألف سنة

الفكرة التي أتحدَّث عنها ليست فكرةً جديدة. الغزاليّ سمّاها قبل نحو ألف سنة، في كلمةٍ واحدة: التَّذَوُّق.

وكتب في كتابه المنقذ من الضلال سطراً بقي يُقتبَس منذ قرون: العلمُ عن الشيء شيء، وذوقُ الشيء شيءٌ آخر. يعني تستطيع أن تقرأ ألف كتابٍ عن السباحة، وتظلّ لا تعرف ما يعنيه الماءُ وهو يلامس جلدك. المعرفة عن الشيء لا تكفي. لا بدّ أن تذوقه.

وما أُضيفه على هذا الخطّ الطويل — من الغزاليّ إلى اليوم — شيءٌ صغيرٌ، لكنّه مهمّ: التذوّق ليس هبة. هو طريقٌ وطريقةُ حياةٍ لتربية أنفسنا لا حدود لها. ولو سمحتَ لنفسك أن تعيش دقيقةً واحدةً في اليوم بحضور — دقيقةً واحدة — سيتغيَّر شيءٌ في حياتك. ليس بالتدريج. بل بالتراكم.

الغزاليّ مشى عشر سنواتٍ في الصحراء ليذوق. ونحن، في القرن الحادي والعشرين، نحاول أن نبني سُلّماً إليه. نحن نُروِّض العقل، ونُفعِّل الحضور من خلال الوعي بالإشارات الحسّيّة الجسديّة، ونُصعِد درجةً في كلّ يوم. طريقٌ إلى التذوّق. هذا ما تفعله منهجيّة التفكير الحسّيّ حين تعمل.

دقيقة واحدة في اليوم

لو كان عليّ أن أُلخّص عَشَر سنواتٍ من التدريس في جملةٍ واحدة لمَن يستمع إلى هذه الحلقة ولا يعرف من أين يبدأ، لقلتُ له هذا:

دقيقة واحدة في اليوم. لا أكثر في البداية. اجلس. ضع كفَّك على بطنك. اسمع نَفَسك يدخل ويخرج. ولاحظ ما تقوله لك كتفاك، وما يقوله لك فَكُّك، وما تقوله لك منطقة القلب. لا تُفسِّر، ولا تُحلِّل، ولا تحاول أن تُصلح. اسمع فقط.

هذه الدقيقة هي المكان الذي يبدأ منه الذكاء الحسّيّ. وحين تُكرِّرها كلَّ يوم، تكتشف أنك لم تكن تعرف جسدك من قبل. كنتَ تستخدمه. والفرق بين أن تعرف وأن تستخدم هو الفرق بين أن تعيش وأن تُدار.

أمرٌ صغير في آخر الحلقة

في آخر هذه الحلقة حصل شيءٌ لم أكن أتوقَّعه حين جلستُ للتسجيل. إذا استمعتَ إلى الحلقة حتى آخرها، ستصلك اللحظة التي أعنيها. لن أُفسدها هنا.

أقول لك فقط هذا: إن كنتَ شعرتَ في أيّ لحظةٍ أثناء الاستماع أنّ جسدك يودّ أن يقول لك شيئاً، ولو كان همساً صغيراً — اسمعه. لا تُفسِّره، ولا تُنَحِّه جانباً. خذ نَفَساً. واسمعه حتى آخره.

انشر

شارك مع من ستنفعه

إن لامسك هذا، مرّره لمن يحتاجه.