تخطي إلى المحتوى الرئيسي
كُنKUNKUN

التفكير الحسّي · بودكاست

حِسّ · الحلقة 2: عناق الوظيفة — حين يصير الخوف رئيسك

ثمانية وأربعون بالمئة من الموظّفين متمسِّكون بوظائفهم لا حبًّا فيها بل خوفًا من تركها. في الحلقة الثانية من حِسّ، أتحدَّث عن الخوف الذي يحكم أماكن عملنا — ولماذا هويّتك ليست في وظيفتك بل في حضورك.

سامر حسن
سامر حسن٤ دقائق قراءةمؤسس أكاديمية كُن — مبتكر التفكير الحسّي® — أول عربي MCC
Read in English
الحلقة ٢١٣ دقيقة

إن لم يجعلك الحضورُ أكثر انفتاحاً وتكيُّفاً دون أن تفقد نفسك، فهو لم يُمارَس كما ينبغي.

والحلقة التي أكتب عنها اليوم — الحلقة الثانية من Sense — كانت عن هذه الجملة بالضبط، من الزاوية المعاكسة. من زاوية مَن فقد نفسه، أو يخاف أن يفقدها، فتشبَّث بوظيفتِه كأنّها هي.

ما كشفَتْه الأرقام

نشرَت مجلّة CEO World — واحدةٌ من أكبر المجلّات المتخصِّصة في عالم الأعمال — بحثاً قبل وقتٍ قصير، قال شيئاً غريباً ومؤلماً في الوقت نفسه: الخوف صار هو الشعور الغالب على الموظّفين في الشركات والمؤسَّسات. ليس الإحباط. ليس الملل. الخوف. وإنّ ثمانية وأربعين بالمئة من الموظّفين متمسِّكون بأماكنهم لا لأنّهم يحبّون عملَهم، بل لأنّهم خائفون أن يتركوه.

تخيَّل معي للحظة. نصف الناس الذين حولك في أيّ مكتب، علاقتهم بعملهم مبنيَّةٌ على خوف. ليس على شغف، ولا على طموح. خوف. وهذه ليست مشكلةً وظيفيّة. هذه مشكلةٌ إنسانيَّةٌ أعمق.

وحين سألتني شهيرة عن هذا البحث، وعمّا أراه أنا من داخل جلسات الكوتشنج، كان الجواب سهلاً لأنّني أراه كلّ يوم. الموظّف الذي يصرف كلّ ما عنده في حماية علاقاته داخل الشركة بدل أن يحضر مع عمله. المدير الذي يأتي إلى اجتماعٍ وعقلُه مشغولٌ بما حدث أمس وما سيحدث غداً، فلا يصل إلى اللحظة التي هو فيها. الشخص الذي يعيش حياتَه في غرفةٍ واحدة: غرفة الخوف.

الخوف ليس جديداً

لكن حين نظرتُ في الأرقام أكثر، لفت نظري شيء. هذا الخوف ليس جديداً. كان موجوداً قبل الذكاء الاصطناعيّ، وقبل الإنترنت، وقبل الكمبيوتر. كلّ موجة تكنولوجيَّةٍ كبيرة أحضرت معها الموجة نفسها من الخوف. الماكنة الصناعيَّة في القرن التاسع عشر. خطّ التجميع في العشرين. الحاسوب الشخصيّ في الثمانينات. الإنترنت في التسعينات. التكنولوجيا تتغيَّر. الخوف يبقى كما هو.

فإذا كان الخوف ليس من الأداة، من ماذا هو إذن؟

ما يسمّيه الناس "فوبو"

في العالم المهنيّ، بدأ يظهر مصطلحٌ اسمه FOBO — الخوف من أن تُصبح غير ذي صلة. مع تسارُع الذكاء الاصطناعيّ، الناس لم يعودوا يخافون فقط من فقدان وظائفهم. صاروا يخافون من فقدان مكانتهم. من أن يُنسَوا. من أن يُصبحوا عبئاً على العالم بدل أن يكونوا جزءاً منه.

وحين جلستُ مع مَن يعاني من هذا الشعور، اكتشفتُ شيئاً لم يكن دائماً واضحاً له: إنّه لا يخاف من الأداة. يخاف من أن يفقد نفسه. لأنّه — بهدوءٍ ومن دون أن يُلاحظ — بنى هويّته كلَّها على الدور الذي يؤدّيه. على عنوان الوظيفة. على "المدير المالي" أو "الجرّاح" أو "المحامي". وحين تهتزّ الأداة، يخاف أن يهتزّ الدور، وحين يهتزّ الدور، يُخيَّل إليه أنّ الذي سيسقط هو هو.

هذا ليس خوفاً من تقنيَّة. هذا أزمةُ هويَّة.

وأنا لا أقول هذا من فوق. أقوله لأنّني جلستُ مع عشراتٍ من هؤلاء. لاحظتُ كيف يتغيَّر الجسد قبل الكلام. الكتفان يرتفعان قليلاً. التنفُّس يصبح قصيراً ويبقى في أعلى الصدر. العينان تنظران كثيراً إلى الباب. وحين يبدأ الحديث، يبدأ دائماً من نفس المكان: "إذا فقدتُ هذا العمل، ماذا يبقى منّي؟" ليس السؤال الماليّ — هو السؤال الوجوديّ. وهو السؤال الذي لا يستطيع أحدٌ أن يُجيبه عنك، لأنّه لا يُجاب بكلام. يُجاب بحضور.

ما كتبه الغزاليّ قبل ألف سنة

الفكرة التي أتحدَّث عنها ليست فكرةً جديدة. الغزاليّ وصفها في كتابه إحياء علوم الدين قبل نحو ألف سنة، حين تكلّم عن ثلاث حالاتٍ للنَّفس البشريَّة.

الأولى: النَّفس الأمّارة — وهي التي يقودها الخوف والتشبُّث والانجرار. التي تريد أن تمسك بأيّ شيء يَعِدُها بالأمان، ولو كان وهماً.

الثانية: النَّفس اللوَّامة — وهي التي تبدأ تُراجِع صاحبها. تسأله: هل أنتَ فعلاً عائشٌ، أم أنتَ فقط خائف؟ هل أنتَ ذلك العنوان على بطاقة عملك، أم أنتَ شيءٌ آخر اختبأ خلفه؟

الثالثة: النَّفس المطمئنَّة — وهي التي يصل إليها الإنسانُ حين يعرف مَن هو من دون الدور الذي يلعبه. حين لا يحتاج إلى العنوان ليُثبت أنّه موجود.

وما أُضيفه على هذا الخطّ الطويل — من الغزاليّ إلى اليوم — شيءٌ صغير، لكنّه مهمّ: الطريق من النَّفس الأمّارة إلى النَّفس المطمئنَّة ليس طريقاً فكريّاً. ليس كتاباً تقرؤه ولا فكرةً تقتنع بها. هو طريقٌ حسّيّ. يبدأ من الجسد.

المكان الذي يبدأ منه العمل

عمليّاً، ماذا يعني "يبدأ من الجسد"؟

يعني أنّك تحضر مع ما تعمله الآن — حتّى لو كان شيئاً صغيراً، حتّى لو كان كوب القهوة الذي تحمله، حتّى لو كان الاجتماع الذي لا تحبّه — لأنّ الحضور هو الأثر الوحيد الذي تتركه في العالم. وحين تحضر، تكتشف أنّ ما يجعلك أنت ليس العنوان على البطاقة. بل الطريقة التي تُنصِت بها. الطريقة التي تدخل بها الغرفة. الطريقة التي تتأمَّل بها قبل أن تُجيب. هذه أشياء لا يستطيع أحدٌ أن يأخذها منك، لأنّها ليست ملكاً لشركةٍ أو لعصر. هي ملكٌ لحضورك.

ولذلك أقولها بصيغةٍ أبسط ممّا تبدو: هويَّتُك ليست في وظيفتك. هويَّتُك في حضورك.

والطريق إلى هذا الحضور لا يبدأ في الرأس. يبدأ في النَّفَس. في أن تجلس دقيقةً واحدة، وتشعر بجسدك، وتُلاحظ ما يقوله لك، وتعود إلى اللحظة التي أنتَ فيها فعلاً. هذه الدقيقة أخطر على خوفك من أيّ نصيحة مهنيّةٍ ستقرؤها. لأنّها تُعيدك إلى المكان الذي لا تستطيع الأدواتُ أن تدخله.

أمرٌ صغير في آخر الحلقة

في آخر هذه الحلقة، تحدث لحظةٌ لم أكن أتوقَّعها حين جلستُ للتسجيل. لن أُفسدها هنا. أقول فقط: إن استمعتَ حتّى آخرها، ستصلك اللحظة التي أعنيها، وستربطها بكلّ ما قلناه قبلها.

وإن كان شيءٌ فيما قرأتَ الآن لامَسَ فيك مكاناً لم تكن تُلاحظ أنّه موجود — لا تتجاهله. لا تُبرِّره. لا تقل لنفسك "سأفكِّر في هذا لاحقاً." خذ نَفَساً الآن، وأنت تقرأ هذا السطر. ضع كفَّك على بطنك. اسمع الجسد. الطريق إلى النَّفس المطمئنَّة لا يبدأ من قرارٍ كبير. يبدأ من نَفَسٍ صغير، مأخوذٍ في وقته الصحيح.

انشر

شارك مع من ستنفعه

إن لامسك هذا، مرّره لمن يحتاجه.