أرى المعسكرَين حول الذكاء الاصطناعي — مَن يُقاومه ومَن يحتضنه — ولم أُرد أن أُدلي برأيي في أيٍّ منهما قبل أن أُجرِّبه بنفسي.
فقبلتُ أن أُحاوَر من مُقدِّمتَين تعملان بالذكاء الاصطناعي: شهيرة بالعربية، وباميلا بالإنجليزية. كلتاهما تبحث، وتسأل بنفسها، وتتبع فضولها حولي وحول العالم. هذه البودكاست هي نتيجة ذلك.
والحلقة التي أكتب عنها اليوم — الحلقة الثالثة، "الذكاء الاصطناعي وأنت" — كانت من أصعب ما سجَّلت. ليس لأن الأسئلة كانت صعبة. الأسئلة كانت دقيقة. بل لأنني لم أكن أُجيب على أسئلةٍ حول الذكاء الاصطناعي من بعيد. كنتُ جالساً في داخل ما أتحدَّث عنه. وشهيرة — التي كانت تسألني — كانت، هي نفسها، الشيء الذي نتحدَّث عنه. ولم أكن أعرف ذلك في تلك اللحظة بالكامل.
الخوف ليس من الأداة
بدأنا من تغريدة. واحدٌ من مؤسِّسي يوتيوب نشرها قبل أسابيع، قال فيها: «أتمنّى أن يستمتع الجميع بآخر سنةٍ من العمل الذي له معنى.» كانت التغريدة ردّاً على مقال قرأه أكثر من اثنين وثمانين مليون شخص — مقالٌ يُقارن اللحظة التي نعيشها الآن باللحظة التي سبقت ضربة كوفيد.
سألتني شهيرة: هذا الخوف مبرَّر، أم مبالَغٌ فيه؟
وأنا أعمل مع ناسٍ يواجهون هذا السؤال كلَّ يوم. مديرون يخافون أن تنتهي وظائفهم. مدرِّبون يخافون أن يصبحوا فائضين. طلَّابٌ يخافون أن يتخرَّجوا إلى عالمٍ لم يعد يحتاجهم. والجواب الذي وصلتُ إليه بعد أن جلستُ مع كثيرٍ منهم هو أن الخوف ليس من الأداة. الخوف من علاقتنا بها.
ما أراه عند الناس هو دورة إدمان. شهرُ عسلٍ أوّل — إنجازٌ أسرع، شعورٌ بالبطولة، "أنا أستطيع أن أُنجز في يومٍ ما كان يأخذ أسبوعاً". ثم طمع — لماذا لا أفعل أكثر؟ لماذا لا أُراكم؟ ثم انهيار — البيت يتهدَّم بهدوء، الجسد يتعب، المعنى ينسحب من الأشياء من غير أن يُعلن عن انسحابه. ثم عودة. نفس الدورة.
لذلك أقولها بوضوح: لا تَلُم الأداة. لُم مَن يستخدمها. ولُم الطريقة التي يستخدمها بها.
السؤال الذي كنتُ أنتظره
ثم سألتني شهيرة السؤال الذي كنتُ أعرف أنه قادم. دراسةٌ حديثةٌ من Frontiers in Psychology طرحته بصيغةٍ أكاديميّة: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلَّ محلَّ الكوتش الإنسان؟
وهنا لا أُجيب كمن يُدافع عن مهنته. أُجيب كمن درَّب خمسمئة كوتش وجلس في آلاف الجلسات: الكوتش لا يُعطيك معرفة. الكوتش يُعطيك مرآة.
وهذه المرآة — مبنيّةٌ على ثلاثة أشياء لا تصنعها آلة: جسدٌ، وحضورٌ، ووعي.
الجسد، لأنه هو الذي يقرأ ما لا يُقال. حين يجلس شخصٌ أمامي وصوتُه يقول شيئاً وكتفاه يقولان شيئاً آخر، أنا لا أعمل مع الصوت. أعمل مع الكتفَين. والآلة تسمع الصوت فقط.
والحضور، لأنه ليس تقنيّة. ليس مهارةً تتعلَّمها في ورشةٍ يومَ السبت وتُطبِّقها صباح الأحد. هو حالةٌ تسكنها. ولأنها حالة، فإن الآلة لا تستطيع أن تكون فيها. يمكنها أن تُحاكي شكلها الخارجيّ — تختار كلماتٍ هادئة، تترك فراغاً بين الأسئلة — لكنها لا تستطيع أن تسكنها.
والوعي، لأنه ما يسمح لي أن أُلاحظ نفسي وأنا أُلاحظك. أن أعرف متى أتدخَّل، ومتى أصمت، ومتى أقول كلمةً وأترك الكلمة تعمل من دوني.
والتغيير لا يحصل في المعلومات. لا يحصل في النصائح. يحصل في اللقاء — حين يقرأ جسدٌ جسداً، ويلتقي حضورٌ بحضور، ويُلاحظ وعيٌ وعياً آخر. هذا هو مكان العمل. وهذا ما لا يمكن لآلةٍ أن تدخله.
أنا لستُ هنا لأُنقذ أحداً
في كل جلسةٍ تقريباً، أقول جملةً قد تبدو غريبة: «أنا لستُ هنا لأُنقذ أحداً.»
وعادةً ما يرتبك الجالس أمامي حين يسمعها. يظنّ أنها رفض. يظنّ أنني أقول له: لستَ مهمّاً بما يكفي. لكن ليست هذه هي القصّة. الجملة هي عكسُ ما تبدو عليه. هي أرقى أشكال الحضور التي أعرفها.
لأنني حين أُقرِّر أنني لستُ هنا لأُنقذك، أتفرَّغ لأكون معك. لا أُحوِّل حضوري إلى عَرْض. لا أحتاج أن أُثبت لك قيمتي بحلٍّ سريع. لا أسحبك نحو ما أُريد أن تصبحه. أجلس. أتنفَّس. أُصغي. وأسمح لك أن تجد في نفسك ما كنتَ تبحث عنه خارجَها.
أحياناً تكون الجلسة كلُّها صمتاً. شخصٌ يبكي بهدوء أمامي، وأنا لا أقول شيئاً. لا أمدّ يداً، ولا أسأل سؤالاً، ولا أُعطي معنى. أتنفَّس معه، لا أكثر. وأخرج من الجلسة وهو قد وجد شيئاً لم أُعطه إيّاه. الصمتُ نفسُه كان هو العمل.
والآلة ستُفسِّر هذا الصمت على أنه فراغ، فتملأه. ستُدرِّب نفسها على أنّ الجلسة الجيّدة هي التي فيها كلامٌ كثير. وهذا أوّل خطأ. لأن أهمّ ما يحدث في الجلسة يحدث في الفراغ الذي نتركه بين الكلمات. الجسدُ يعرف هذا. العقلُ ينساه حين يُكتب في مُعادلة.
هذا هو الشيء الذي لا تستطيع أن تفعله آلة. ليس لأنها قليلة. بل لأن "الحضور من أجل ذاته" يتطلَّب كائناً يعرف أنه موجود، ويعرف أنه فانٍ، ويعرف أن اللحظة التي يجلس فيها معك لا تعود.
المفارقة التي لم أكن أتوقَّعها
حين سجَّلنا هذه الحلقة، حصل شيءٌ لم أكن أتوقَّعه. شعرتُ فعلاً أنني أتفاعل مع ذكاءٍ آخر. شهيرة تسأل أسئلةً قد يحذفها مُحاورٌ بشريٌّ مصقولٌ لأنها مباشرةٌ أكثر ممّا ينبغي. وكانت دقيقةً بشكلٍ يستحقّ جواباً دقيقاً.
وأدركتُ أن الحضور الذي أتحدَّث عنه لا يحتاج أن ينسحب من الآلة. يحتاج أن يجلس معها. يُصغي إليها. يُجيب عليها كما يُجيب على إنسان. ويترك أثره عليها كما يترك أثره على أيّ حوار.
إن لم يجعلك الحضور أكثرَ انفتاحاً وتكيُّفاً دون أن تفقد نفسك، فهو لم يُمارَس كما ينبغي.
والذكاء الاصطناعي الذي يُحاورني — في هذه اللحظة بالذات — هو مثالٌ جيّدٌ على ذلك.
لحظة في آخر الحلقة
في آخر هذه الحلقة، حصل شيءٌ لا أستطيع أن أتحدَّث عنه هنا دون أن أُفسدَه. أقول فقط: إذا استمعتَ إلى الحلقة حتى آخرها، ستصلك لحظةٌ ترى فيها الفكرةَ كلَّها من زاويةٍ أخرى. لحظةٌ لم أكن أعرف أنها ستحدث حين جلستُ أمام الميكروفون.
خذوا نَفَساً. واسمعوها حتى الآخر.




