يصل معظمُ الناس إلى الجلسة الأولى ومعهم هدف: قرارٌ محيّر، ثقةٌ تتسرّب من غير سببٍ واضح، فصلٌ جديدٌ في العمل أو في الحياة لا يجد بدايته. ويتوقّعون منّي ما اعتادوه: أن أحلّل، وأنصح، وأُصلح.
غير أنّي أفعل ما يفاجئهم: أتعامل معهم بوصفهم أحكمَ مَن في الغرفة — لأنّهم في حياتهم هم كذلك فعلًا. أنا أكثرُ الناس عمًى بعالمك؛ لم أعِش فيه يومًا واحدًا. لذلك لا أسير أمامك مشيرًا إلى الطريق, بل أسير بجانبك بحضورٍ كامل، وأكون شيئًا أندرَ من ناصح: مستكشفًا فضوليًّا يحمل مرآةً صافية، تحرّر من الأجندات ومن الحاجة إلى إرضائك.
وأُصغي بأكثر من أذنيّ. فالكلماتُ لا تحمل إلا جزءًا يسيرًا مما يقوله الإنسان؛ والباقي يصل نبرةً، وإيماءاتٍ، وإيقاعًا — تغيّراتٍ تدركها وتحسّها، كأن تحسّ بثقلٍ على صدرك حين تدخل مكانًا بعينه، أو تحسّ بنظرةِ شخصٍ ينظر إليك من خلفك.
وإليك كيف تجري الجلسةُ فعلًا. حين تجيب عن سؤالي الأول، تكون قد أذنتَ لي بدخول أولِ غرفةٍ في عالمك — المجلس، حيث تستقبل ضيوفك. وداخل إجابتك، تتحوّل كلُّ كلمةٍ تقولها، وكلُّ إيماءةٍ تصدر عنك، وكلُّ تموّجٍ خلفهما، إلى بابٍ في هذا المجلس. فما إن تُنهي كلامك حتى أجدَني واقفًا بين عشرة أبوابٍ أو خمسةَ عشر، أستطيع أن أطرق أحدَها بسؤالي التالي — ولك أنت كاملُ الحرية أن تفتح البابَ الذي طرقتُه، أو توجّهني إلى بابٍ آخر.
ثم ندخل غرفةً ثانية، فيحدث الأمرُ نفسُه: خمسةَ عشرَ بابًا جديدًا أو عشرون تنفتح من خلال تعبيرك. تخيّل إلى أين يصل بنا هذا في نهاية الجلسة — إلى أعمقِ غرفةٍ تأذن لنا ببلوغها. غرفٌ لم تكن تعلم أنها موجودة، وغرفٌ كانت تشكّل حياتك من دون وعيٍ منك، أكثرَ مما كنتَ تظنّ.
وربما تتساءل: كيف أعرف أيَّ بابٍ أطرق؟ كيف يصلني «السؤالُ الصحيح»؟ هنا يتجلّى سحرُ التفكير الحسّي: لقد تدرّبتُ، عن قصدٍ وتصميم، على أن يأتيَ السؤالُ من إحساسٍ لا من تفكير. فبينما أتجوّل في الغرفة التي أذنتَ لي بدخولها، يشدّني بابٌ من بينها، مُثقَلٌ بالإشارات الحسّية — بابٌ شحنتْه إشاراتُك غيرُ اللفظية حتى صار أوضحَ من أن أمرّ به مرورَ الكرام. أوَليس هذا ما يفعله المستكشف؟ لا وجهةَ مرسومة، ولا أجندة — بل رادارٌ قويٌّ في الداخل، فإذا جذب شيءٌ انتباهي غيرَ المشروط، توجّهتُ إليه واستكشفتُه. ثم يبقى أبسطُ الأجزاء: ما أستقبله أعكسه إليك — أسئلةً مفتوحةً وملاحظات، لا أحكامًا أبدًا. فأنتَ مَن يعرف.
وفي الطريق، يحدث شيءٌ للهدف نفسِه. فكلّما اتّسع وعيُك، تبيّن أنّ الهدف كان بابًا للدخول لا وجهةً للوصول. جاءني أحدُ عملائي يريد أن يعرف كيف يحفّز فريقه ويجعله أكثرَ تعاونًا، وخرج من الجلسة وقد أدرك أنّ مساحةَ نموّه الحقيقية أن يتعلّم قولَ «لا» في العلاقة دون أن يخسرها — بعدما اكتشف أنه عانى طوالَ حياته في بناء علاقاتٍ صحّية، في البيت والعمل سواء. جلسةٌ واحدة. كلُّ ما احتاجه كان وضوحًا حول الجذر الحقيقيّ؛ فالإنسان متى رأى بوضوح، ابتكر حلولَه بنفسه — لا يحتاج أحدًا يبتكرها له، وهو الأقدرُ على ذلك لأنه أحكمُ الناس بعالمه. أوَليست الحاجةُ أمَّ الاختراع؟
وهذا كلُّه ليس بعدُ المستوى المتقدّم. في الجلسات المتقدّمة من التفكير الحسّي أستخدم ما ابتكرتُه وسمّيتُه Super Work — اختصارًا للعمل الحسّيّ الجسديّ. ببساطة: أطرح على جسدك سؤالًا مفتوحًا عبر محفّزٍ حسّيٍّ مصمَّمٍ بعناية، ثم أدعوك لتصوغ أنت معنى ما يجيب به جسدُك. وهكذا يحدث السحر: وضوحٌ غيرُ مألوف لا يصل إلا حين يُدعى الجسدُ عمدًا إلى الحوار. ولأنّ المتكلّم هو جسدُك أنت، تكاد المقاومةُ والاحتكاكُ يبلغان الصفر. (يُعاش في الجلسة، لا يُقرأ في مقال ←)
وحتى لا يلتبس الأمر: ليست هذه الجلسةُ علاجًا نفسيًّا، ولا تشخيصًا، ولا عرضًا تحفيزيًّا. لن يقول لك أحدٌ مَن تكون. ستخرج بشيءٍ أهدأ وأبقى — تعرف نفسك أكثر، وترى مسائلك أوضح، وتستعيد رفيقًا قديمًا طالما وثقتَ به: جسدَك.
حين تستعدّ: احجز جلستك ←
إلى أين بعد هذا؟
- اقرأ التالي: التفكير الحسّي — البداية ←
- جرّبه بنفسك: احجز جلستك ←
- كُن أنتَ الكوتش: تعرّف على برنامج إعداد كوتش التفكير الحسّي (STCE) ←
ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.






