تخطي إلى المحتوى الرئيسي
كُنKUNKUN

التفكير الحسّي · مقال

التفكير الحسّي — البداية

عشتُ ثلاثين عامًا في فنون القتال والاستشفاء الحركي. وبعد دراستي للماجستير في الصين، عدتُ إلى مصر وفتحتُ أكاديميةً صغيرة — Dragon Academy — يأتيها الناسُ ليُدرّبوا أجسادهم، ومن حيث لا يُسمّون ذلك، ليعودوا إلى أنفسهم.

سامر حسن
سامر حسن٣ دقائق قراءةمؤسس أكاديمية كُن — مبتكر التفكير الحسّي® — أول عربي MCC
Read in English
التفكير الحسّي — البداية

عشتُ ثلاثين عامًا في فنون القتال والاستشفاء الحركي. وبعد دراستي للماجستير في الصين، عدتُ إلى مصر وفتحتُ أكاديميةً صغيرة — Dragon Academy — يأتيها الناسُ ليُدرّبوا أجسادهم، ومن حيث لا يُسمّون ذلك، ليعودوا إلى أنفسهم. ورأيتُهم يتغيّرون: علاقاتٌ أكثرُ اتّزانًا، وذهنٌ أصفى، ومعنًى لم يأتوا به. كان أكثرَ عملٍ عرفتُه امتلاءً.

ثم صارت زوجتي تنتظر ابنتَنا، وكان العملُ الذي يملؤني يلتهم ساعاتي. فأوقفني سؤالٌ صادق: هل اخترتُ أن تكون لي عائلةٌ ليستمتع غيري بأطفالي بدلًا منّي؟ فانتقلنا إلى كندا.

بقيتُ على صلةٍ بطلّابي من بعيد، فرأيتُ ما أوجعني: واحدًا تلو الآخر، تراجعوا. خفَت الاتّزان، وتوقّفت الممارسة، وخبا الصفاء. وظللتُ أسأل نفسي: ما الذي أخطأتُ فيه؟ بلغ الألمُ حدًّا هزَّ إحساسي بمعنى ما أفعله.

وحين فهمتُ أخيرًا، حرّكني الفهمُ من الأعماق. كنتُ قد علّمتُهم كما عُلِّمتُ — الطريقةَ الشرقيّةَ البطيئة، إتقانَ التقنية عبر سنوات، تليق بمن صارت الممارسةُ حياتَه كلَّها. أمّا طلّابي فلهم حيواتٌ أخرى. والذي أبقاهم لم يكن شيئًا في داخلهم، بل شيئين خارجَهم: مجتمعٌ آمن، ومعلّمٌ يُذكّي حماسَهم. فإذا غابا، عادت الحياةُ اليوميّةُ تجرفُ كلَّ شيء.

وكانت تلك هديّةً خبّأها الألم. أدركتُ أنّي لا أريد أن أكون مصدرَ حماسِ أحد، أمنحه وقودًا ينفد لحظةَ أُغادر الغرفة. أردتُ أن أكون رفيقًا: يسير بجانب الناس وهم يتعلّمون أن يستمدّوا حماسَهم من داخلهم.

وما إن سمّيتُ ذلك حتى وجدني. صديقةٌ كانت أيضًا من عملائي، Pamela Pritchard، أخبرتْني أنّ ما أصفه له اسمٌ في الغرب: الكوتشينج الاحترافيّ. لم أحتج إلا ثوانيَ لأقول نعم. وشعرتُ أنّي مُسيَّرٌ، وأنّ اللهَ يوجّهني إلى هذا الطريق؛ كأنّ له حياةً خاصّةً به تحملني إلى حيث ينبغي أن أكون.

لكنّي، وأنا أتدرّب، أحسستُ بفجوة. الكوتشينج الغربيّ قويٌّ في الأهداف، وفي التفكير، وفي شكل السلوك؛ أمّا الممارساتُ الشرقيّةُ التي جئتُ منها فتجعل الوعيَ نفسَه هو الغاية، وتعمل عبر الجسد، وتلتقي كلَّ إنسانٍ بوصفه فريدًا لا نمطًا. فتدرّبتُ مرّةً أخرى في الولايات المتّحدة لأتأكّد أنّها ليست مدرسةً بعينها. كانت الفجوةُ حقيقيّة — وكنتُ أحدثَ عهدًا بالكوتشينج الغربيّ، وأشدَّ ميلًا إلى الشرق، من أن أسدّها بصدق. فأبقيتُ السؤالَ مفتوحًا أَدَعُه يعمل فيّ.

وبعد سنواتٍ من الممارسة في العالَمين، عثرتُ على القدرة الواحدة التي تسدّ الفجوة: الحضور. الغربُ يُسمّيه — وقد دار حوله Silsbee وHunt وDivine؛ والشرقُ عاش فيه آلافَ السنين. وما أدهشني أنّ الحضورَ ليس نادرًا، وليس محجوزًا لقلّة. إنّه فطريٌّ — فينا سلفًا، لكنّه منسيٌّ في زاويةٍ مظلمةٍ من النفس، ينتظر قليلًا من الضوء. وحين يعود، يصير المكانَ الذي يتحدّث فيه أخيرًا العقلُ والجسدُ، والعالمُ الداخليُّ والخارجيُّ؛ فتغدو كلُّ تجربةٍ شيئًا تتعلّم منه وتنمو به.

ومن هنا وُلِد السؤالُ الذي صار عملَ حياتي: كيف أخلق مساحةً يختبر فيها الناسُ الحضورَ — عن قصدٍ وتصميم؟

والجوابُ هو التفكير الحسّي. استندتُ إلى ثلاثين عامًا في فنون القتال والاستشفاء الحركي، وخمسةَ عشرَ عامًا من الكوتشينج عبر أربع قارّاتٍ وثلاث لغات، وبنيتُ ما أُسمّيه طريقًا أقصرَ إلى الحضور — فلسفةً ومنهجًا لأن تعيش الحياةَ بالشراكة مع جسدك حتى يصير الحضورُ طريقتَك المعتادة في الوجود. هنا بدأ الأمر. وبقيّةُ هذه السلسلة هي ما صار إليه.

حين تستعدّ، البابُ مفتوح.

إلى أين بعد هذا؟

  • اقرأ التالي: تجربة الفراشة
  • جرِّب: احجز جلستك ←
  • كُن أنتَ الكوتش: برنامج إعداد كوتش التفكير الحسّي (STCE) ←

ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.
منهجية التفكير الحسّي

انشر

شارك مع من ستنفعه

إن لامسك هذا، مرّره لمن يحتاجه.

التفكير الحسّي — البداية | أكاديمية كُن