تخطي إلى المحتوى الرئيسي
كُنKUNKUN

التفكير الحسّي · مقال

تجربة الفراشة

دعني أُريك التفكيرَ الحسّيَّ كلَّه عبر فراشةٍ واحدة. أنت تمشي، فتعبُر فراشةٌ طريقَك — وفي أقلَّ من ثانية، يجري جسدُك وعقلُك دورةً كاملةً في ستّ خطوات.

سامر حسن
سامر حسن٣ دقائق قراءةمؤسس أكاديمية كُن — مبتكر التفكير الحسّي® — أول عربي MCC
Read in English
تجربة الفراشة

دعني أُريك التفكيرَ الحسّيَّ كلَّه عبر فراشةٍ واحدة.

أنت تمشي، فتعبُر فراشةٌ طريقَك. تأمّل ما يحدث، خطوةً خطوة، في أقلَّ من ثانية.

تُحِسُّ بها — يقع الضوءُ على عينيك. ثم تُدرِك شكلًا، ولونًا، ورفرفةَ حركة. ثم تمنح المعنى — فراشة: رقيقة، زاهية، ربيع، حياة. ثم تتشكّل الأفكارُ والمشاعر — أحبُّ هذه؛ أودُّ أن أقترب. ثم تقرّر — سأدنو قليلًا. ثم تفعل — تتحرّك نحوها. تلك هي دورةُ التفاعل الإنسانيّ: الخطواتُ الستّ التي يجري فيها جسدُك وعقلُك ليلتقيا أيَّ شيءٍ كان.

وهنا بيتُ القصيد. حين تتوافق كلُّ خطوةٍ مع ما هو موجودٌ حقًّا — هي فراشةٌ فعلًا، وأنت تُدركها فراشة، وتتعامل معها كفراشة — تكون متوافقًا مع الواقع. ولهذا التوافق اسم: الحضور.

لكنّ الدورةَ قد تنزلق. تخيّل الفراشةَ نفسَها — وفي داخلك تتحرّك ذكرى؛ أفزعك خفّاشٌ ذاتَ ليلةٍ مظلمة. فينحرف إدراكُك، فترى خفّاشًا. تُجفِل، وتتراجع، وتفوتك تلك الرقّةُ التي كانت أمامك. لم يتغيّر في الفراشة شيء؛ تغيّر صنعُك للمعنى. في تلك اللحظة لم تَعُد تلتقي الواقع، بل تلتقي نسخةً معدَّلةً منه. والنسخةُ المعدَّلة هي بالضبط ما يكون عليه غيابُ الحضور.

ولهذا لا أكفُّ عن السؤال، مع عملائي ومع نفسي: ماذا لو أدركتَ الفراشةَ — فسمّيتَها خفّاشًا؟ وماذا لو جاء خفّاشٌ — فسمّيتَه فراشة؟ وماذا لو عبرتْ طريقَك ولم تنتبه إليها أصلًا؟ ما الذي فيك يُشوّه الفراشة؟

والعِلمُ الحديثُ يدور حول الحقيقة نفسها. فالإدراكُ ليس تسجيلًا نقيًّا للعالم؛ بل العقلُ يصوغ على الدوام أفضلَ تخمينٍ له ويُسقطه على ما حولك — يسمّيه بعضُ الباحثين «هلوسةً مضبوطة». فإذا طابق التخمينُ ما هو موجودٌ حقًّا، رأينا بوضوح. وإذا كتب التخمينَ خوفٌ قديمٌ أو عجلةٌ نحو الغد، رأينا نسختَنا نحن. والتفكيرُ الحسّيُّ ببساطة يمنحك وسيلةً تلمح بها الفرق — عبر الجسد، في حينه.

وقد التقيتَ الرفاقَ الثلاثةَ من قبل. تأمّلْهم وهم يلتقون الفراشة. «جدتي حكيمة»، حاضرةً تمامًا، تستقبلها كما هي — فراشة، في توافق. و«أستاذ تحكّم»، مشغولًا بخوفٍ قديم، يُحيلها خفّاشًا. و«حركات»، راكضًا نحو ما هو آتٍ، لا يراها تحطّ أصلًا. الفراشةُ واحدة، والعوالمُ ثلاثة. والحضورُ أن تَدَعَ «جدتي حكيمة» تنظر أوّلًا.

ولهذا، فتمنّي الحضور شيءٌ، وأن تكون حاضرًا شيءٌ آخر. الحضورُ ليس أمنية؛ بل توافقٌ تُحِسُّ به، وتختاره مع المِران.

فحين يعبُر شيءٌ طريقَك في المرّة القادمة — كلمةٌ من إنسان، أو ومضةُ غضب، أو فرصةٌ سانحة — يمكنك أن تُبطئ العبور، وتسأل السؤالَ الهادئ في قلب التفكير الحسّي: أهي فراشة، أم أنّني حوّلتُها إلى خفّاش؟

وأحيانًا يكون الخفّاشُ قد دخل الغرفةَ فعلًا — اشتعلت ومضةُ الغضب، وسبقكَ المعنى. وهنا يكشف لك التفكيرُ الحسّيُّ الوجهَ الآخر من الشراكة: أنت لا تقرأ جسدَك فحسب، بل تستطيع أن تُغيّره فيتغيّر الشعور. وأبلغُ ما أعرفه في هذا من هَدْيِ النبوّة ﷺ؛ ففي الحديث الشريف: «إذا غَضِبَ أحدُكم وهو قائمٌ فلْيجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ وإلّا فلْيَضْطَجِعْ» — وهو حديثٌ صحيح. تأمّلْ دقّتَه: قائمٌ ← جالسٌ ← مضطجع، تدرّجٌ في هيئة الجسد يُنزِل الانفعالَ درجةً درجة. لم تُطفئِ الغضبَ بمزيدِ غضبٍ على نفسك؛ غيّرتَ الجسدَ، فتبِعه العقل. تلك هي الشراكةُ في الاتجاهين: كما يُشكّل جسدُك شعورَك، تستطيع أن تُحرّك جسدَك فيلينَ شعورُك. وهو — كأكثرِ ما في التفكير الحسّي — يُعاش في الجسد أكثر ممّا يُقرأ.

حين تستعدّ، البابُ مفتوح.

إلى أين بعد هذا؟

  • اقرأ التالي: أبعد من الهدف
  • جرِّب: احجز جلستك ←
  • كُن أنتَ الكوتش: برنامج إعداد كوتش التفكير الحسّي (STCE) ←

ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.
منهجية التفكير الحسّي

انشر

شارك مع من ستنفعه

إن لامسك هذا، مرّره لمن يحتاجه.