يكاد كلُّ من يأتيني يحمل هدفًا. أن يحسم قرارًا. أن يُثبّت ثقةً تتسرّب. أن يبدأ فصلًا يأبى أن يبدأ. والهدفُ حقيقيٌّ، ونأخذه على محمل الجدّ — فهو سببُ مجيئك.
لكنّ ما رأيتُه يتكرّر مرّةً بعد مرّة هو هذا: كلّما اتّسع وعيُك، تبدّل الهدفُ في هدوء. يتبيّن أنّه كان بابًا للدخول لا وجهةً للوصول — مدخلًا إلى ما هو أوسع، كان ينتظر خلفه.
جاءني رجلٌ يريد أن يحفّز فريقه. تتبّعنا هذا الهدفَ إلى الداخل، فوجد على الجهة الأخرى منه أرضَ نموّه الحقيقيّة: أن يتعلّم قولَ «لا» في علاقةٍ قريبةٍ دون أن يخسرها — وهو ما عانى منه طوالَ حياته، في البيت والعمل. محادثةٌ واحدة. لم يكن الهدفُ خطأً؛ كان هو الباب. وما إن انفتح حتى صارت الغرفةُ الأوسعُ بيّنة.
هذا ما يفعله الحضور. الهدفُ شيءٌ يمدّ إليه العقلُ يدَه — هناك في الأمام، في المستقبل، حيث يحبّ «حركات» أن يسكن. والحضورُ يعيدك إلى ما هو هنا الآن، في الجسد — ومن هنا ترى الغرفةَ كلَّها التي لم يكن الهدفُ إلا مدخلَها. تكفّ عن مطاردة الهدف، وتبدأ في لقاء الحياة التي كان يشير إليها.
ولهذا بنيتُ التفكير الحسّي. لا لأساعدك على بلوغ هدفٍ أسرع — فطرقٌ كثيرةٌ تفعل ذلك — بل لأرفع وعيَك حتى ترى ما وراء حدود هدفك. الهدفُ المُحقَّق يتركك حيث صوّبت تمامًا. أمّا الهدفُ المفهوم فيفتح بابًا لم تكن تعرف أنّه هناك.
وهذا الفهمُ ينسجم مع عقيدتنا الإسلاميّة. فمن قيمنا أنّ الإنسانَ خُلِق ليسعى — والسعيُ واجبُنا — أمّا نتائجُه فتوفيقٌ من الله ورزقٌ مقدَّر. وقد يظنّ المرءُ أنّ هدفَه هو أفضلُ ما سيبلغ، فيتعلّق بالنتيجة؛ فإذا لم يُصِبْها حَزِن وأحسّ بالفشل. لكنّ ديننا علّمنا. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (البقرة: ٢١٦). ومعنى ذلك أنّ ما فيه خيرُنا ورزقُنا كثيرًا ما يكون خارجَ أهدافنا — فنحن بطبعنا لا نضع هدفًا إلّا لما نحبّه ونعرفه. والسعيُ بحضورٍ، بالتفكير الحسّي، لا يتعلّق بهدفٍ بعينه، بل يجعل التوجّهَ نحو الهدف نقطةَ بداية؛ وكثيرًا ما يكتشف الإنسانُ — وهو حاضرٌ مع ما يجري — أنّ رزقَه في اتّجاهٍ آخر، فيُعيد بمرونةٍ ضبطَ الوجهة، ويغيّر الهدف.
ولاحظ: لا يُضاف إليك في هذا شيء. فالأوسعُ كان لك أصلًا. نحن لا نركّب لك هدفًا أفضل؛ بل نوسّع الإطار حتى ترى ما كنتَ تبتغيه حقًّا. فأنت مَن يعرف.
فأحضِر هدفك — أحضِره، بكلّ تأكيد. لكن أمسِكه أهونَ ممّا اعتدت. في التفكير الحسّي، الهدفُ حيث نبدأ، لا حيث نقف. هو بابٌ للدخول لا وجهةٌ للوصول.
حين تستعدّ، البابُ مفتوح.
إلى أين بعد هذا؟
- اقرأ التالي: الفقاعات الإدراكية ←
- جرِّب: احجز جلستك ←
- كُن أنتَ الكوتش: برنامج إعداد كوتش التفكير الحسّي (STCE) ←
ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.






