تخطي إلى المحتوى الرئيسي
كُنKUNKUN

التفكير الحسّي · مقال

الفقاعات الإدراكية

تحدّثنا كثيرًا عن الحضور. لكن، حضورٌ لِمَ؟ الحياةُ تسكب عليك في كلّ لحظةٍ سيلًا لا ينتهي من الإشارات الحسّية — والحضورُ ليس بابًا تفتحه على مصراعيه، بل هو مسألةُ: أين تضع انتباهك.

سامر حسن
سامر حسن٤ دقائق قراءةمؤسس أكاديمية كُن — مبتكر التفكير الحسّي® — أول عربي MCC
Read in English
الفقاعات الإدراكية

تحدّثنا كثيرًا عن الحضور. لكن، حضورٌ لِمَ؟ إليك ما يسهل أن يفوتنا: لا يمكنك أن تكون حاضرًا تمامًا إلّا لشيءٍ واحدٍ في كلّ مرّة. فالحياةُ تسكب عليك في كلّ لحظةٍ سيلًا لا ينتهي من الإشارات الحسّية — أكثرَ ممّا يسع إنسانًا أن يحمله دفعةً واحدة. فالحضورُ ليس بابًا تفتحه على مصراعيه للطوفان، بل هو مسألةُ: أين تضع انتباهك. وحيثما وضعته، أجابك عالَمٌ من الإحساس يخصّه.

والقدرةُ التي تستقبل بها هي ما أسمّيه الإرهاف الحسّي. ليست قوّةً غيبيّة، بل قدرةٌ فطريّةٌ أودعها الله في الجسد: أن يلتقط الإشاراتِ الدقيقةَ التي تَرِدُه على الدوام، يصقلها الحضور. أبطئ الإيقاع، واهدأ، وأصغِ — يلتقط وعيُك ما كان يصلك دائمًا لكنّه يغرق في الضجيج. وكلُّ موضعٍ تُرسي عليه انتباهك يردّ إليك حزمةً من الإحساس تخصّه. وهذه المواضعُ أربعة — أربعُ فقاعاتٍ إدراكيّة، تنتقل بينها واحدةً في كلّ مرّة.

الأولى فقاعةُ إدراك الذات. يستقرّ انتباهك على نفسك، فتأتيك الإشاراتُ من الداخل: الثقلُ في صدرك، الشدُّ في كتفيك، الدفءُ أو الانقباضُ يسري فيك. ومن هنا يبدأ أغلبُ العمل: أن تعود إلى جسدك أوّلًا — أقربِ أمانةٍ وُضِعت بين يديك.

الثانية فقاعةُ إدراك الآخر. الآن يستقرّ انتباهك على إنسانٍ آخر — نفْسٍ منسوجةٍ في النسيج نفسه الذي نُسِجتَ فيه — ويحدث أمرٌ لافت: تبدأ الإشاراتُ التي تستقبلها تأتيك منه هو. نبرتُه، هيئتُه، التموّجاتُ تحت كلماته. وهذه الفقاعةُ هي مسكنُ الكوتش: حاضرًا لمن أمامه، يستقبل أضعافَ ما تحمله الكلمات.

الثالثة فقاعةُ إدراك المحيط. يتّسع انتباهك إلى ما حولك — الغرفة، المجلس، المكان نفسه. تُحِسّ بالسكينة التي تنزل في مكانٍ يُذكَر فيه الله، وبالانقباض في مجلسٍ يملؤه الخصام، وبالارتياح أو النفور تجاه شخصٍ تلقاه قبل أن تُتبادَل كلمة. فالمحيطُ أيضًا يرسل إشاراتِه؛ وفي هذه الفقاعة تستقبلها.

والرابعةُ فقاعةُ الوجود. هنا يمتدّ الانتباهُ إلى ما وراء محيطك المباشر — عبر المكان، بل عبر الزمان — إلى ترابط الوجود ذاته.

تخيّلها كشبكةٍ عظيمةٍ ربّانيّة — أشبهَ بإنترنت مقدّس. كلُّ مخلوقٍ عاش يومًا جهازٌ متّصلٌ بها؛ وليس المخلوقاتُ الحيّةُ وحدها، بل كلُّ ذرّة، كلُّ جسيم. تنتقل المعلوماتُ في هذه الشبكة بحرّيّة، كما تصف الفيزياء جسيمين متشابكين يتقاسمان حالةً واحدةً مهما تباعدا. والذي يضبط اتّصالك بصلةٍ بعينها هو نيّتُك وحضورُك. وجّه انتباهك — بنيّةٍ وحضور — نحو صديقٍ في الطرف الآخر من الأرض، فقد تبدأ تستقبل إحساسًا حقيقيًّا متّصلًا به؛ فإذا بلغتَه وجدتَ أنّ ما أحسستَ به كان صادقًا.

وتأمّل هذا جيّدًا، فهو لبُّ الأمر: ليس هذا تنبّؤًا، ولا علمًا بالغيب. إنّه إحساسٌ — استقبالٌ، عبر مستقبِلات جسدك نفسها، لمعلومةٍ عن حالٍ قائمةٍ فعلًا، ثم تتحقّق منها. قال الله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (الأنعام: ٥٩). فمفاتيحُ الغيب لله وحده. وما يصلنا عبر هذا النسيج إنّما هو آيةٌ على مدى ترابط خلقه — لا ادّعاءً لعلم ما استأثر به سبحانه.

والفقاعاتُ الأربعُ كلُّها تقوم على حقيقةٍ واحدة. الخلقُ نسيجٌ واحد — «البنيان المرصوص» — وكلُّ ذرّةٍ فيه تسبّح بحمد خالقها؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: ٤٤). ولستَ منفصلًا عن هذا النسيج؛ بل أنت منسوجٌ فيه، والإرهافُ الحسّيُّ ليس إلّا المستقبِلَ الذي أودعه الله فيك لتتناغم معه. ولهذا فإنّ هذا نقيضُ محاولةِ السيطرةِ على الكون أو «رفع الذبذبات»: لستَ أنت المصدر. أنت مُصغٍ — تقترب، وتُسمّي مَن منه يتدفّق هذا كلُّه.

وإن لم تكن ترى ما أرى — إن كان إيمانُك مختلفًا، أو كنتَ لا تزال تبحث — فالبابُ مفتوحٌ لك أيضًا. فالإرهافُ الحسّيُّ قدرةٌ فطريّةٌ في كلّ إنسان، تنالها بسلوكِ طريقِ الحضور، لا بمشاركتي ما أعتقد. أُحدّثك من حيث أنا، ولا أُلزِمك بما عندي؛ فمنفعةُ هذه الممارسة في الممارسة نفسها، لا في التفسير الذي تختار أن تضعه عليها. غير أنّي أصدُقُك القول: مَن عرف مصدرَ هذا كلِّه وذكر اسمَ الله عليه، استحال عنده من أثرٍ عابرٍ إلى سكينةٍ تَثبُت.

وثمّة ما هو أوسعُ بكثيرٍ في موضع لقاء هذا بالإيمان، وموضع مفارقته لعمل الطاقة وقانون الجذب — وذلك لبُّ كتابي «من التوازن إلى البركة»، وسيأتي مقالٌ عنه قريبًا.

أمّا اليومَ فيكفي هذا: للحضور وجهةٌ يقصدها. تتنقّل بين عالمك الداخليّ، ومن أمامك، والمكان من حولك، والكلِّ المترابط الواسع — فقاعةً في كلّ مرّة، بحسٍّ صقله الله فيك، نحو خلقٍ لا يكفّ عن ذكره.

حين تستعدّ، البابُ مفتوح.

إلى أين بعد هذا؟

  • اقرأ التالي: القائد الرادار
  • جرِّب: احجز جلستك ←
  • كُن أنتَ الكوتش: برنامج إعداد كوتش التفكير الحسّي (STCE) ←

ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.
منهجية التفكير الحسّي

انشر

شارك مع من ستنفعه

إن لامسك هذا، مرّره لمن يحتاجه.