في كلّ مرّةٍ أجلسُ فيها أمام إنسانٍ يسمع كلمة «كوتشينج» لأوّل مرّة، أكاد أرى الجملةَ تتشكّل في عينيه قبل أن ينطق بها: «هذا شيءٌ دخيلٌ علينا، مستوردٌ من الغرب، لُبِس لبوسًا عربيًّا». وأنا لا ألومه، بل أحترم حذرَه؛ فقد رأى كثيرًا ممّا يُباع تحت أسماءٍ برّاقةٍ لا جذرَ له في أرضنا، فصار يسأل عن الأصل قبل أن يسأل عن الثمرة. وهذا سؤالٌ كريم.
فدعني لا أُجمّل، بل أُصارحك. سأقول لك من أين جاء هذا الفنّ في حقيقته — لا في تاريخه القريب، بل في جذره الأبعد. وسأزعم أمامك دعوى قد تبدو كبيرة، ثم أُريك كيف أنّها أصدقُ من النفي: أنّ الكوتشينج، حين يُفهَم على حقيقته، ليس استيرادًا من الغرب، بل إحياءٌ لدورٍ طالما عرفه تراثُنا وأكرمه — دورِ المربّي.
الدورُ الذي أكرمه تراثُنا
تأمّل كيف فرّق لسانُنا، بحكمته، بين رجلين.
هناك المعلّم — وهو على شرفٍ عظيم، فالعلمُ نورٌ والمعلّمُ حاملُه. لكنّ صنعتَه، في صورتها الشائعة، أن يصبّ المعلومةَ في الإنسان: يملأ الإناءَ ممّا عنده، فيخرج المتعلّمُ وقد حُشِي علمًا لم يكن فيه.
وهناك المربّي — وهذا شأنٌ آخر. المربّي لا يصبّ، بل يُنمّي؛ لا يملأ من خارج، بل يتعهّد ما في الإنسان من بذرٍ حتى يُثمر. هو الذي ينظر إلى مَن أمامه فلا يراه إناءً فارغًا ينتظر الملءَ، بل أرضًا حيّةً فيها بذرٌ مودَع، وصنعتُه أن يرعى ويسقي ويُظلّ حتى يَستوي النبتُ على سُوقه. ولهذا كان دورُ المربّي عندنا أرفعَ من دور الملقِّن: لأنّ أن تُنمّي إنسانًا من الداخل أصعبُ وأكرمُ من أن تُلقّنه من الخارج.
وانظر إلى الكلمة نفسها، فهي تحمل الأمرَ كلَّه. «التربية» من ربّى — أي نمّى؛ يقول العربُ: «ربّى الشيءَ» أي نمّاه وأنماه حتى تمّ. فالتربيةُ في أصل لسانها ليست حشوًا من خارج، بل استنباتٌ من داخل — أن تتعهّد ما في الإنسان من بذرٍ حتى يُثمر. وحتى اللهُ سبحانه، حين امتنّ على عبده بالتنشئة، سمّى ذلك تربيةً؛ قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٤) — أي نمّياني ورعياني حتى استوى عودي. فالربُّ — في أحد وجوه المعنى — هو المُنمّي المُربّي الذي يأخذ بالمخلوق من حالٍ إلى حال حتى يبلغ تمامَه.
طريقان، وحقيقةٌ واحدة
وهنا يلتقي طريقان عند معنًى واحد، تمامًا كما التقى هَدْيُ النبوّة وطبُّ البلخيّ في المقال الرفيق لهذا المقال (حيث أُريك كيف أنّ منهجَ التفكير الحسّيّ نفسَه ليس وافدًا، بل امتدادٌ لحكمةِ الأبدان والأنفُس في تراثنا).
فكلمةُ «التربية» في لساننا مأخوذةٌ من النموّ والإنماء؛ وكلمةُ "education" التي يسمّي بها الغربُ ما يُقابلها، أصلُها اللاتينيُّ educare — ومعناه في معاجمهم: أن تُغذّيَ، وتُربّيَ، وتُنبت — أي أن تجعل الشيءَ ينمو. (وثمّة جذرٌ شقيقٌ، educere، بمعنى أن تستخرجَ ما في الإنسان وتستدعيه إلى الظهور؛ والمعنيان يحومان حول معنًى واحد: أن تتعهّد ما في الإنسان حتى يَظهر، لا أن تُودِعَ فيه ما ليس منه.)
تأمّل المفارقة: فحتى لفظُ الغربِ نفسِه عن «التعليم» يعني، في أصله البعيد، ما عنته تربيتُنا منذ البدء — تنميةَ الإنسان من الداخل، لا صبَّ التلقين فيه من الخارج. ثم انظر كيف انحرف الاستعمالُ في الجهتين معًا، عندهم وعندنا، حتى صار «التعليم» في الأذهان حشوًا وامتحانًا وتلقينًا، ونُسِي المعنى الأصليُّ النابتُ في الكلمتين كلتيهما. بل إنّ هذا المعنى الضيّق، حين حملت الإمبراطوريّةُ البريطانيّةُ لغتَها ومدارسَها إلى أنحاء الأرض، انتشر مع سلطانها حتى كاد يَطمِس الأصلَ في كلّ لسانٍ بلغه. وهنا أُنبّه إلى ما يُساء فهمُه: ليست التربيةُ التي نعنيها تربيةَ الصغار وحدهم؛ بل هي إنماءُ الإنسان في كلّ طورٍ من أطواره — الكبارِ قبل الصغار. ولهذا كان الكوتشينج، وهو في جوهره تربيةُ الكبار، أحقَّ ما يكون بهذا المعنى الأصيل. لم يلتقِ الطريقان عن اقتراضٍ ولا عن أخذِ أحدهما من الآخر — بل التقيا لأنّ الحقيقةَ واحدة: الإنسانُ يُنمّى من داخله، في كلّ لسانٍ وكلّ أرض.
ولستُ أزعم أنّ العربَ أخذوا من اللاتين، ولا أنّ اللاتين أخذوا من العرب؛ فهذا ليس بحثًا في تاريخ الكلمات. إنّما أقول إنّ المعنى الذي تواطأت عليه الألسنُ — أنّ تنشئةَ الإنسان نموٌّ من داخله لا ملءٌ من خارجه — معنًى فطريٌّ صادق، عرفه لسانُنا وعرفه لسانُهم، كلٌّ على حِدة. طريقان، وحقيقةٌ واحدة.
فأين الكوتشينج من هذا كلّه؟
والآن نعود إلى السؤال الأوّل، وقد صار في يدنا مفتاحُه.
ما الكوتشينج في حقيقته؟ ليس تلقينًا، ولا وصفةً تُملى، ولا خبيرًا يصبّ خبرتَه في عاجزٍ ينتظر. الكوتشينج، في أحسن صوره، مرافقةٌ تُوقظ في الإنسان ما فيه، وتُعينه أن يُنمّيَ نفسَه بنفسه. الكوتشُ لا يأتيك بإجابةٍ من خارجك؛ بل يجلس معك حتى تَسمع إجابتَك أنت، التي كانت فيك ولم تكن تسمعها. هو لا يقودك إلى حيث يريد، بل يُصغي حتى تقودَ أنت. وهو — حين يُحسن — يُخرج نفسَه من المعادلة حتى تراك أنت نفسَك من خلاله، كما تُرى الصورةُ في مرآةٍ صافية لا تُضيف ولا تُنقِص.
فإذا كان هذا هو الكوتشينج — مرافقةً تُنمّي من الداخل، لا تلقينًا من الخارج — فأيُّ صنعةٍ هذه؟ إنّها صنعةُ المربّي بعينها. المربّي يتعهّد البذرَ حتى يُثمر؛ والكوتشُ يتعهّد ما في الإنسان حتى يَستوي. المربّي لا يصبّ؛ والكوتشُ لا يصبّ. المربّي يرى الإنسانَ أرضًا حيّةً لا إناءً فارغًا؛ وهذا عينُ ما يراه الكوتشُ الصادق.
فالكوتشينج، إذن، إحياءٌ لصنعة المربّي، لا استيرادٌ من الغرب. هذا أعمقُ ردٍّ على مَن قال: «الكوتشينج دخيلٌ علينا». فالأمرُ ليس أنّنا نُجذّر منهجًا بعينه في تراثنا (وإن كنّا نفعل ذلك أيضًا في المقال الرفيق)؛ بل إنّنا نُجذّر الصنعةَ كلَّها. المربّي كان دائمًا فينا، عرفه آباؤنا وأكرموه قبل أن تُولد كلمةُ "coaching"؛ والكوتشُ — حين يُحسن — صورةُ المربّي المعاصر، يُحيي دورًا قديمًا بأدوات اليوم.
حدٌّ من الإجلال
وهنا لا بدّ أن أقف لأضع حدًّا، إكرامًا للتربية نفسها، لا انتقاصًا منها.
ولا أزعم أنّ الكوتشينج يحلّ محلّ التربية بكلّ سعتها — حاشا. فالتربيةُ أوسعُ وأعمقُ وأقدسُ من أن تُختزل في جلساتٍ معدودة؛ تربيةُ الأبِ لولده، وتربيةُ الشيخ لمريده، وتربيةُ الأمّة لأبنائها على القيم والإيمان — كلُّ ذلك بحرٌ لا يحدُّه فنٌّ واحد. إنّما أقول إنّ الكوتشينج، رشيدًا مفهومًا، صورةٌ معاصرةٌ من صور تلك الصنعة الكريمة — فرعٌ من شجرتها، لا الشجرةُ كلُّها. أُحيي روحَ المربّي في أدواتِ اليوم، ولا أُنزِل أدواتي منزلةَ التربية بكلّ جلالها.
مهمّةُ كُن، وقد صارت إنسانًا يجلس أمامك
وهذا عينُ ما تنهض به أكاديميّةُ كُن، وهو مكتوبٌ في صميم رؤيتها: أن نُعيدَ إحياءَ التربية كفنٍّ لتنمية الإنسان من الداخل.
ليست هذه عبارةً نزيّن بها صفحاتِنا، بل هي المهمّةُ التي نتنفّسها. وحين تجلس أمام كوتشٍ دُرّب عندنا، فأنت لا تجلس أمام خبيرٍ يصفُ لك حلولَك؛ بل أمام مربٍّ معاصر: لا يصبّ فيك شيئًا، بل يُصغي ويُرافق ويُوقظ ما أودعه اللهُ فيك أصلًا. مهمّةُ كُن، في تلك اللحظة، لم تعد سطرًا في وثيقة؛ صارت إنسانًا يجلس قبالتك، يُحيي فيك صنعةً قديمةً بأدوات حاضرة.
وأيُّ مربٍّ معاصر؟ مربّي التفكير الحسّيّ
ثم يبقى سؤالٌ أخير: أيُّ كوتشٍ هذا الذي يحمل صنعةَ المربّي؟ فليس كلُّ مَن سمّى نفسَه كوتشًا يُحيي هذا الدور؛ كثيرٌ يقع في التلقين من حيث يظنّ أنّه يُرافق.
الذي يحمل هذه الصنعةَ حقًّا هو كوتشُ التفكير الحسّيّ — الذي تعلّم أن يُصغي في اللحظة نفسها إلى الإشارةِ الحسّيّةِ الجسديّة، وإلى شراكة الجسد والنَّفْس (لا الروح؛ فالرُّوحُ من أمر ربّي، سرٌّ لا قِبَلَ لنا به، والتفكيرُ الحسّيُّ يعمل مع النَّفْس — ما نُدرِكه ونُدرّبه). فهو لا يكتفي بأن يُصغي إلى الكلمات؛ بل يُصغي إلى الجسد رفيقًا يُشارك في تشكيل النَّفْس، فيقرأ ما لا يُقال. وبهذا الإصغاء المُرهَف يتعهّد ما في الإنسان حتى يَستوي — وهذا هو صميمُ صنعة المربّي، في حُلّتها الحسّيّة الجسديّة.
وهكذا يلتقي الميراثان: ميراثُ المنهج (حكمةُ الأبدان والأنفُس التي أصّلها هَدْيُ النبوّة وأعطاها البلخيُّ صورتَها الطبيّة، كما في المقال الرفيق)، وميراثُ الصنعة (دورُ المربّي الذي أُحييه هنا). طريقان من الجذور، يلتقيان في كوتش التفكير الحسّيّ: المربّي المعاصر.
فما الكوتشينج، إذن؟
هو إحياء. ليس وافدًا غريبًا، بل صورةٌ معاصرةٌ من صنعةٍ كريمةٍ عرفها تراثُنا منذ القِدم: صنعةِ المربّي الذي يُنمّي الإنسانَ من داخله، لا يصبّ فيه من خارجه. وما أفعله أنا: أُعيد إحياءَ هذه الصنعة بأدوات اليوم، وأجعلها قابلةً للتدريب لكوتش هذا العصر — للمربّي المعاصر، الذي يقرأ الإشارةَ الحسّيّةَ الجسديّةَ ويُصغي إلى شراكة الجسد والنَّفْس.
فأنا لا أُركّب فيك شيئًا، ولا أستوردُ إليك صنعةً؛ بل أوقظ دورًا كان فينا أصلًا. وما يطمئنّ القلبَ أنّ جذورَ هذه الصنعة ليست غريبةً عن تراثنا، بل هي من صميمه؛ فلستَ أمام وافدٍ غريب، بل أمام ميراثٍ عاد إلى أهله.
حين تستعدّ، البابُ مفتوح.
إلى أين بعد هذا؟
- اقرأ التالي: التفكير الحسّيّ — إحياءُ حكمةِ الأبدان والأنفُس · حيث تجد ميراثَ المنهج (البلخيّ وهَدْيُ النبوّة) رفيقًا لميراث الصنعة ←
- جرِّب: احجز جلستك ←
- كُن أنتَ الكوتش: برنامج إعداد كوتش التفكير الحسّيّ (STCE) ←
تخريج الآية: «قال الله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٤)».
ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.






