تخطي إلى المحتوى الرئيسي
كُنKUNKUN

التفكير الحسّي · مقال

التفكير الحسّيّ: إحياءُ حكمةِ الأبدان والأنفُس

تخيّل رجلًا اشتعل غضبًا وهو واقف. وقبل أن يملك أن يُحاكم الغضبَ بعقله، جاءه التوجيهُ النبويُّ بأمرٍ يخصّ جسدَه أوّلًا. هذه أنقى عبارةٍ عرفتُها عن حقيقةٍ بنيتُ عليها عملَ حياتي: أنّ المشاعر تُبنى على أحاسيسَ في الجسد أوّلًا.

سامر حسن
سامر حسن٨ دقائق قراءةمؤسس أكاديمية كُن — مبتكر التفكير الحسّي® — أول عربي MCC
Read in English
التفكير الحسّيّ: إحياءُ حكمةِ الأبدان والأنفُس

تخيّل رجلًا اشتعل غضبًا وهو واقف. تصعد الحرارةُ في وجهه، ويضيق نَفَسُه، وتقبض يدُه من تلقاء نفسها. وقبل أن يملك أن يُحاكم الغضبَ بعقله، جاءه التوجيهُ النبويُّ بأمرٍ يخصّ جسدَه أوّلًا؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا غضبَ أحدُكم وهو قائمٌ فلْيجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ وإلّا فلْيَضْطَجِعْ».

تأمّل دقّةَ هذا. لا «اكظمْ غضبك» وحدها — بل غيّرْ هيئةَ جسدك على درجات: قائمٌ، فجالسٌ، فمضطجع. كلّما كانت العاطفةُ شديدةً، غيّرْ وضعيّةَ الجسد بشكلٍ أكبر؛ والغضبُ هنا مثالٌ على شعورٍ/عاطفةٍ تسيطر على الإنسان فتُعمي عقلَه. هذه أنقى عبارةٍ عرفتُها عن حقيقةٍ بنيتُ عليها عملَ حياتي: أنّ المشاعر تُبنى على أحاسيسَ في الجسد أوّلًا، وأنّ تغيير حال الجسد يغيّر حال النَّفْس.

وحين بدأتُ أُسمّي ما أعمل به وأصوغه منهجًا، ظننتُ — كما يظنّ كثيرون — أنّي أمدُّ يدي نحو شيءٍ في الشرق أو في الغرب. لكنّي حين عُدتُ إلى كتب تراثنا الطبيّ وجدتُ أنّ ما وصلتُ إليه لم يكن جديدًا تمامًا، بل امتدادًا لما قالوه منذ قرون. وأيقنتُ أنّ ما أفتش عنه لم يكن في الشرق ولا في الغرب، بل في الجذور الأقرب إليّ.

فدعني أُريك هذه الجذور — لا بوصفها تاريخًا نمرّ عليه, بل حكمةً حيّةً تخصّك أنت، وأنا أُحييها، لا أبتكرها من العدم.

الطبقة الأولى: جذورٌ نُحييها

قبل أكثر من ألف عام، أفرد الإمام أبو زيد البلخيُّ (ت ٣٢٢هـ) لمسائل النفس كتابًا سمّاه مصالح الأبدان والأنفس. وانظر إلى العنوان وحده، فهو لبُّ الأمر: الأبدانُ والأنفُس — لا الأرواح. لقد وضع النَّفْسَ — الذاتَ — إلى جانب البدن، وجعل العافيةَ لا تكتمل إلّا بهما معًا. وهذا بعينه ما يُحييه التفكيرُ الحسّيُّ حين يجعل الشراكةَ بين الجسد والنَّفْس — لا بين الجسد وشيءٍ غامضٍ مفصولٍ عنه. أمّا الرُّوحُ فمِن أمرِ ربّي؛ قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (الإسراء: ٨٥) — سرٌّ من الأسرار لا قِبَلَ لنا بالخوض فيها؛ ولذلك يعمل التفكيرُ الحسّيُّ مع النَّفْس — ما نُدرِكه ونُدرّبه — لا مع الرُّوح.

ولم يكتفِ البلخيُّ بأن يجمعهما؛ بل نحت لرباطهما لفظًا دقيقًا: التشبيك. كتب أنّ الله «ركّب الأنفُسَ في الأبدان تركيبًا على غاية الإحكام والإتقان، وشبك بينهما تشبيكًا لا يكون أقوى وأبلغ منه». نَفْسٌ وبدنٌ منسوجان وحدةً واحدةً متكاملة. وهنا أُنصِفُ المحقّقَ العلّامةَ مالك بدري، فهو يرى في هذا سَبْقًا لِما سمّاه الغربُ لاحقًا «نفسجسديًّا» (Psychosomatic) ولِما سمّاه العلمُ الحديثُ «الإدراك المُجسَّد» (embodied cognition) — وأنا أنقل قراءتَه لا أزعمها تاريخًا مفروغًا منه.

وعرّف البلخيُّ صحّةَ النَّفْس بأنها سكونُها: «أن تكون قواها ساكنة، ولا يهيج بها شيءٌ من الأعراض النفسانيّة». ليست الصحّةُ عنده غيابَ الأحداث، بل حالًا مُدبَّرةً حاضرة — وهذا قريبُ النسب جدًّا ممّا نسمّيه في التفكير الحسّي: الحضور. ثم بنى على ذلك مشروعَه كلَّه: رياضةُ الأنفُس على مثال رياضة الأبدان — أنّ للنَّفْس عللًا تُعالَج كما تُعالَج عللُ البدن. قال في كتابه: «كما أنّ للبدن عللًا تُعالَج بالأدوية، فللنَّفْس عللٌ تُعالَج بالرياضة والتأديب». فالحالاتُ النفسيّةُ — في فهمه — تُدبَّر وتُدرَّب، لا تُحتمَل احتمالًا فحسب. وهذا الأصلُ — أنّ النَّفْسَ تُدرَّب كما يُدرَّب البدن — هو ما يجعل التفكيرَ الحسّيَّ منهجًا يُتدرَّب عليه، لا فكرةً تُتأمَّل.

وحين بلغ الغضب، جاء كلامُه أقربَ ما يكون إلى التوجيه النبويّ في المعنى. أفرد له بابًا، لأنّه — كما رأى — أكثرُ ما يعرض للإنسان وأكثرُ ما يتكرّر ضررُه. ووصفه — بلغة طبّ عصره — حدثًا جسديًّا قبل كلّ شيء: يضطرب به البدنُ، ويتغيّر اللونُ، ويُلقي صاحبَه في حركاتٍ مضطربة حتى «يُسخّن الجسدَ تسخينًا يعقب الحمّى». وهذا الاضطرابُ الجسديُّ هو — بلغة التفكير الحسّي — الإشارةُ الحسّيّةُ الجسديّةُ التي يقرؤها الكوتشُ في حينها. ولأنّه يسكن الجسد، أوصى بأن يُلجَأ إليه عبر الجسد لا عبر مجرّد العزم: أوصى بأن يُمسَك عند أوّل اهتياجه قبل أن يجمح بصاحبه كالفرس، وأن يُسكَّن اضطرابُ البدن ويُنتَظَر فتورُ الحرارة قبل الحكم أو الفعل، وأن يُصرَف البصرُ عمّن أغضب لأنّ النظرَ يُعيد إشعالَه.

وهنا أتوقّف لأكون صادقًا معك تمامًا، فهذا الصدقُ هو ما يجعل الكلامَ يصمد أمام أيّ ناقد: البلخيُّ لا يستشهد بحديث الغضب. فقد بنى تدبيرَه على الملاحظة الطبيّة والتجربة، لا على نصٍّ نبويّ نقله؛ بل الجمعُ بينهما اجتهادٌ وتدبّرٌ منّي. فما الذي يربط الاثنين إذن؟ إنّهما يلتقيان عند الحقيقة نفسها. التوجيهُ النبويُّ يأمر بتغيير الهيئة (قائمٌ ← جالسٌ ← مضطجع) لإنزال الغضب؛ والبلخيُّ يصف — بلغة الطبيب المستقلّة — كيف يسكن الانفعالُ حين يسكن الجسد. فالتفكيرُ الحسّيُّ يقف حيث يلتقي هَدْيُ النبوّة وطبُّ البلخيّ عند معنًى واحد. ولا أقول قطُّ إنّ البلخيَّ استشهد بالحديث؛ بل أقول إنّهما تلاقيا — وهذا أصدق.

ولم يكن البلخيُّ وحدَه في هذا الميدان. فهو يقف في تيّارٍ أوسعَ من علماء عصرنا الذهبيّ جعلوا تدبيرَ النَّفْس علمًا: أبو بكر الرازيُّ في الطبّ الروحانيّ — وهو عنوانُ كتابٍ من تراثنا، لا مصطلحٌ أتبنّاه — حين أفرد لعللِ النفس بابًا يُعالجها بالعقل والتدبير: من قهر الهوى، إلى كبح الغضب، إلى دفع الغمّ والحزن. وابن سينا في القانون في الطبّ، حين ربط اعتدالَ الحركة والرياضة بعافية البدن وصلتِه بالنَّفْس. وفي الأفق الأوسع — أفقِ تربية النَّفْس وتزكيتها — أبو حامد الغزاليُّ في إحياء علوم الدين؛ ولا يفوتني هنا أنّ كلمةَ «إحياء» في عنوانه قريبةُ النسب من «الإحياء» الذي أكتب عنه في هذا المقال — فهو رحمه الله أحيا علومَ الدين، وأنا أحاول، على قَدري، إحياءَ حكمةِ الأبدان والأنفُس. وأبو يوسف الكنديُّ في الحيلة لدفع الأحزان، في معالجته العقليّة للحزن. أُسمّي هؤلاء بوصفهم التيّارَ الأوسعَ لتدبير النَّفْس في تراثنا، لا بوصف بعضهم مصدرًا لبعض.

الطبقة الثانية: علمٌ نُعيد تأطيره

ثم انظر إلى ما تفعله المختبراتُ الحديثة، فستجدها تَعود إلى الغرفة نفسها. ما سمّاه البلخيُّ «تشبيكَ» البدن بالنَّفْس صار في العلم المعاصر «الإدراكَ المُجسَّد» — أنّ الجسد يُشكّل العقل، لا العكسَ وحده. وما وصفه من أنّ النَّفْسَ تلتقط ما يَرِدُ عليها يُدرَس اليوم تحت اسم «الإحساس الداخليّ» (interoception). وحتى الحضورُ بوصفه توافقًا مع الواقع له صدًى في العلم: أنّ عقلك يصوغ في كلّ لحظةٍ أصدقَ تخمينٍ يقدر عليه عمّا حولك، ثم يصحّحه بما تحسّه في جسدك. ووجّه النظرَ نحو الماضي والحاضر والمستقبل صار محورًا في علم النفس الزمنيّ. هذه لمساتٌ، لا أكثر؛ فالصرامةُ العلميّةُ الكاملةُ موضعُها مقالاتٌ أخرى في هذه السلسلة.

وأكون معك صريحًا في هذه الطبقة كما كنتُ في الأولى: ليست كلُّ فكرةٍ في هذا العلم وليدةَ يومنا، وليست بناتُ أفكاري كلُّها بلا سابق. فكرةُ تجسيد الحالات الداخليّة وتشخيصها — أن تجعل لها وجوهًا وأسماء — لها سوابقُ في تقاليدَ نفسيّةٍ مختلفة. وهذا الصدقُ مقصودٌ منّي؛ فأنا لا أزعم أنّي اكتشفتُ ما لم يكن. بل أُعيد قراءةَ هذه الحقائق، وأُعيد تأطيرَها، وأُعيد تأسيسَها في الجسد.

الطبقة الثالثة: ما هو لي حقًّا

فأين موضعي أنا من هذا كلّه؟ موضعي في التكامل، وإعادة التأسيس في الجسد، والتسمية، وجعل ذلك قابلًا للتدريب لكوتش اليوم.

من عندي: التفكيرُ الحسّيُّ بوصفه منهجًا أصيلًا في الكوتشينج وفلسفةً في العيش، يدمج شراكةَ الجسد مع النَّفْس وإعادةَ البرمجة الحسّية المستلهَمة من فنون القتال. ومن عندي: الفقاعاتُ الإدراكيّةُ الأربع — إدراكُ الذات، وإدراكُ الآخر، وإدراكُ المحيط، وفقاعةُ الوجود — بوصفها نظامًا واحدًا تتنقّل بينه. ومن عندي: الإرهافُ الحسّيُّ بوصفه القدرةَ الفطريّةَ التي أودعها اللهُ في الجسد لاستقبال الإشارات الدقيقة — إرهافُ حسٍّ لا علمٌ بالغيب، فمفاتحُ الغيب عند الله وحده — وقراءتي لفقاعة الوجود قراءةً إيمانيّة. ومن عندي: مُشكِّلاتُ التجربة الثلاثة بأسمائها — «حركات» الساكنُ في المستقبل، و«أستاذ تحكّم» الساكنُ في الماضي، و«جدتي حكيمة» الحاضرةُ تمامًا التي تُجسّد الحضور. ومن عندي: تجربةُ الفراشة، والحضورُ بالتصميم، والخطواتُ الأربع إلى الحضور.

وهنا تظهر بصمتي الحقيقيّة: أن آخذ حقيقةً قديمةً صادقة — أنّ المشاعر تُقرأ وتُدبَّر عبر الجسد — فأُعيد تأسيسَها لا بوصفها وصيّةً تُتلى، بل إشارةً حسّيّةً جسديّةً يقرؤها الكوتشُ في اللحظة نفسها ويعمل عليها، وأُسمّيها، وأجعلها منهجًا يتعلّمه ويُمارسه. لا أنّ البلخيَّ هو التفكيرُ الحسّيّ — حاشا؛ بل إنّ التفكيرَ الحسّيَّ يقف في سلالته، يُحيي ما أصّله، ويُضيف إليه التأسيسَ الجسديَّ والتسميةَ والتدريب.

حيث يلتقي هذا بالإيمان

وثمّة طبقةٌ أعمق هي إسهامي الخاصّ، لا إسهامُ البلخيّ — فقد كان رحمه الله طبيبًا تجريبيًّا في المقام الأوّل، قلّما لجأ إلى الغيب في منهجه. أمّا الإطارُ الإيمانيُّ للتفكير الحسّيّ فهو من عندي، يكمّل ما أصّله. وأساسُه أنّ الإنسانَ خُلِق من طينٍ ونفخةٍ إلهيّة؛ فالنَّفْسُ التي تُشبَّك بالبدن نفسٌ ربّانيّةٌ لطيفة، لا ذاتٌ ماديّةٌ صرفة. ولهذا فإنّ سكونَ هذه النَّفْس لا يكتمل إلّا حين تتّصل بمصدرها؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: ٢٨). فالطمأنينةُ التي يصفها البلخيُّ بلسان الطبيب، يصفها القرآنُ بمصدرها: ذكرُ الله.

وثمّة ما هو أوسعُ بكثيرٍ في موضع لقاء هذا التراثِ بالإيمان، وموضعِ مفارقتِه لعمل الطاقة وقانون الجذب. فالكونُ في التصوّر التوحيديّ ليس ذبذباتٍ عشوائيّةً ترفعها وتخفضها، بل بنيانٌ مرصوصٌ يسبّح كلُّ ما فيه بحمد خالقه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ (الإسراء: ٤٤). فأنت لستَ المصدر؛ أنت مُصغٍ، تقترب، وتُسمّي مَن منه يتدفّق هذا كلُّه — انسجامٌ لا سيطرة. وما يُسمّى «التشي» أو «الطاقة» ليس عندنا قوّةً مجهولةً تُستجلَب، بل إرهافُ حسٍّ في جسدٍ خلقه اللهُ مُصغيًا. وهذا لبُّ كتابي من التوازن إلى البركة، وسيأتي مقالٌ عنه قريبًا.

إذن، ما هو التفكير الحسّيّ؟

هو إحياء. حكمةٌ في شراكة الجسد والنَّفْس، أصّلها هَدْيُ النبوّة، وأعطاها البلخيُّ صورتَها الطبيّةَ قبل ألف عام، تُعيد إليك ما هو لك بالميراث — فأنا لا أُركّب فيك شيئًا، بل أوقظ ما كان فيك أصلًا. ما أفعله أنا: أُعيد تأسيسَ هذه الحكمة في الجسد، وأُدمجها، وأُسمّيها، وأجعلها قابلةً للتدريب لكوتش اليوم.

وما يطمئنّ القلبَ أنّ جذورَ هذا الفهم ليست غريبةً عن تراثنا؛ بل هي حكمةٌ من حكمةِ الأبدان والأنفُس، نَعود فنُحييها. ربِّ، اجعلْنا ممّن يصغون فيفقهون، وممّن يَعرفون نِعمتَك في أبدانهم وأنفُسهم فيشكرون.

حين تستعدّ، البابُ مفتوح.

إلى أين بعد هذا؟

تخريج الحديث: «إذا غضبَ أحدُكم وهو قائمٌ فلْيجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ وإلّا فلْيَضْطَجِعْ» — الراوي: أبو ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه · المُخرِّج: أبو داود في سننه · المصدر: صحيح أبي داود · الرقم: ٤٧٨٢ · الحكم: صحيح (تصحيح الألباني) · وأخرجه أحمد في مسنده (٢١٣٨٦).
ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.
منهجية التفكير الحسّي

انشر

شارك مع من ستنفعه

إن لامسك هذا، مرّره لمن يحتاجه.

التفكير الحسّيّ: إحياءُ حكمةِ الأبدان والأنفُس | أكاديمية كُن