في كلّ مرّةٍ تقريبًا أشرح فيها التفكيرَ الحسّي، يصل عند نقطةٍ بعينها سؤالٌ هادئ، يعلو معه حاجبٌ بفضولٍ صادق: «هذا جميل… لكن أوَليس هذا ما يقوله غيرُك أيضًا؟ ألم أسمعْ شبيهًا له في اليقظة، أو في الحضور الذهنيّ، أو في عمل الجسد، أو فيما يُسمّى عملَ الطاقة؟» وأنا حين أصل إلى هذه الكلمة الأخيرة أتوقّف عندها قليلًا: أنا لا أصف ما في جسدك بأنّه «طاقة»، بل إشاراتٌ حسّيّةٌ جسديّةٌ تقرؤها أنت — ثقلٌ، أو دفءٌ، أو انقباض.
وأنا أحبّ هذا السؤال. لا أتهرّب منه؛ لأنّه سؤالي أنا قبل أن يكون سؤالَ أحد. فالتفكيرُ الحسّي يلامس أرضًا مشى عليها كثيرون: الجسد، الإحساس، الحضور. فما الذي يجعله مختلفًا حقًّا؟
دعني أبدأ من اعترافٍ يريحني قوله: هذه الحقيقةُ التي يقوم عليها ليست من بناتِ أفكاري. أنّ الجسدَ يُشكّل العقل لا العكسَ وحده — هذه ليست فكرتي؛ للعِلم الحديث اسمٌ لها: «الإدراك المُجسَّد». وأنّ الإدراكَ ليس تسجيلًا نقيًّا للعالم، بل أفضلُ تخمينٍ يصوغه العقلُ ويُسقطه على ما حولك — هذه أيضًا ليست لي؛ يسمّيها بعضُ الباحثين «هلوسةً مضبوطة». وأنّ في جسدك حاسّةً داخليّةً تقرأ حالك، الثقلَ في صدرك والشدَّ في معدتك والدفءَ أو الانقباض، فهذه حقيقةٌ يدرسها العلماءُ تحت اسم «الإدراك الداخليّ». فما من واحدةٍ من هذه أنا صاحبُها.
والذي يدهشني ويُسعدني في الوقت نفسه أنّني حين بنيتُ ما بنيتُ ثم التفتُّ إلى هذه الأبحاث، وجدتُها تدور حول الحقيقة ذاتها التي عملتُ بها منذ البداية: أنّ الجسدَ يعرف، وأنّه يعرف أوّلًا. لستُ أستندُ إلى العِلم لأستعير منه ثِقَلَه؛ بل ألاحظ، بامتنان، كم يلتقي ما عشتُه في الجسد مع ما يصفه الباحثون بلغتهم الدقيقة.
وهنا يبدأ الفرق. فهذه الحقائقُ، وهي كثيرة، تعيش في العادة متفرّقةً، كلٌّ في حقله: الإدراكُ المُجسَّد في مختبر، وعِلمُ الإدراك الداخليّ في آخر، وخرائطُ النفس للماضي والحاضر والمستقبل في ثالث. والتفكيرُ الحسّي لا يضيف حقيقةً جديدةً إلى هذه القائمة؛ بل يجمع المتفرّقَ في منهجٍ واحدٍ يمكنك أن تسير فيه. هذا هو الفرق: ليس فكرةً مفردة، بل توليفةٌ متكاملة. ولا أعرف نموذجًا قبله، في السوماتية أو الكوتشينج أو النظريّة التكامليّة أو نظريّة U أو علوم الحضور التأمّليّة، يجمع فقاعةً للوجود غيرَ محدودة، وحزمةَ إحساسٍ خاصّةً بكلّ فقاعة، والتنقّلَ بينها في اللحظة الحاضرة، في نظامٍ واحدٍ يُمارَس.
ودعني أُريك التوليفةَ من حيث تُحَسّ، لا من حيث تُعرَّف. تذكّر آخر مرّةٍ التقيتَ فيها لحظةً ما: وجهَ صديق، خبرًا، فرصة. لم تلتقِها دفعةً واحدة؛ بل عبرتَ ستّ خطواتٍ في أقلّ من ثانية: أحسستَ، ثم أدركتَ، ثم منحتَ المعنى، ثم تشكّلت أفكارُك ومشاعرُك، ثم قرّرت، ثم فعلتَ. تلك دورةُ التفاعل الإنسانيّ، والجسدُ هو الجسرُ الذي يجري عليه العبور. وقد لا تكون فكرةُ الدورة وحدها بنتَ اليوم؛ فلطالما وصف الباحثون كيف نعبر من الإحساس إلى الفعل. لكنّ التفكيرَ الحسّي يأخذ هذه الدورةَ ويُرسيها في الجسد، يُبطئ العبور حتى تُحِسّ بكلّ خطوةٍ على حدة.
ثم يسأل سؤالًا لا تسأله الخريطةُ المعرفيّةُ وحدها: لماذا ينزلق العبور؟ لماذا ترى أحيانًا فراشةً فتظنّها خفّاشًا؟ والجوابُ هم الرفاق الثلاثة الذين عرفتَهم: «حركات» الراكضُ نحو الغد، و«أستاذ تحكّم» المتمسّكُ بالأمس، و«جدتي حكيمة» الحاضرةُ تمامًا هنا. لقد درس علماءُ النفس طويلًا كيف يُشكّلنا إحساسُنا بالماضي والحاضر والمستقبل؛ والتفكيرُ الحسّي يمنح هذه المناظيرَ الزمنيّةَ وجهًا وجسدًا، ويُريك أيُّها يُشوّش إحساسَك الآن، لأنّ «جدتي حكيمة» وحدها تُصغي إلى الجسد قبل العقل.
ثم يُسلّمك الأداةَ الأخيرة. فحتى حين تحضر، لا تستطيع أن تحضر لكلّ شيءٍ دفعةً واحدة؛ الحياةُ أوسعُ من أن تُحَسّ كلُّها في آن. فأين تضع انتباهك؟ هنا تأتي الفقاعاتُ الإدراكيّة: في نفسك، في مَن أمامك، في المكان حولك، في الترابط الأوسع، فقاعةً في كلّ مرّة. وهذا الجزءُ بالذات هو ما لا أعرف له نظيرًا قبله. وحين أصف الترابطَ كشبكةٍ تنتقل فيها المعلومةُ بحرّيّة، فإنّي أستعيرُ من الفيزياء صورةَ التشابك استعارةً، لأقرّبَ إحساسًا لا لأزعم فيزياءً. وفقاعةُ الوجود حين تحضر هنا فهي استقبالٌ حسّيٌّ لما هو كائنٌ بالفعل، ثم تتحقّق منه؛ لا تنبّؤٌ، ولا علمٌ بالغيب.
هذه التوليفةُ كلُّها لم تأتِ من مكتبة. جاءت من ثلاثين عامًا في فنون القتال والاستشفاء الحركيّ، ومن خمسةَ عشرَ عامًا من الكوتشينج عبر أربع قارّاتٍ وثلاث لغات. بنيتُها أوّلًا في الجسد، مع الناس، في الغرفة، ثم وجدتُ بعد ذلك كم يلتقي ما بنيتُه مع ما تصفه الأبحاث. هذا الترتيبُ هو الفرق: الممارسةُ أوّلًا، والتصديقُ بعدها.
وأمّا لماذا يهمّ هذا كلُّه الآن، فدعني أُريك صورةً حملتُها معي طويلًا، وهي صورةٌ فحسب، لكنّها صورةٌ نافعة. تخيّل نفسك آلةً: عالمُك الداخليُّ هو العتاد، أي الجسد، وله حدٌّ في سرعةِ استقباله للعالم لا يتبدّل كثيرًا ولا يُستبدَل. وعالمُك الخارجيُّ هو البرنامج: كلُّ ما يصلك من الخارج، عالمٌ يصنعه ويُعيد صنعَه آخرون، ويتسارع عامًا بعد عام. والفجوةُ بين عتادٍ ثابتٍ في داخلك وبرنامجٍ يتسارع خارجك هي بالضبط ما يُتعِب الإنسانَ المعاصر. ولا يمكنك أن تستبدل العتادَ كما تستبدل حاسوبًا؛ الجسدُ ليس قطعةً تُرمى وتُشترى. فماذا تفعل؟ أمامك ثلاثٌ: أن تفعل لا شيء، أو أن تحارب البرنامجَ المتسارع، أو أن تجعل عتادَك يستقبل أكثر. والتفكيرُ الحسّي هو الطريقُ الثالث: لا تستبدل العتاد، بل تستقبل عبر الجسد قدرًا أكبرَ من الإشارات الحسّيّة حتى تتقدّم «جدتي حكيمة»، فيتحرّر الذهنُ ليعبر المجهولَ المتسارع باستجابةٍ تلقائيّة. ليس هذا حيلةً ولا وصفةً سحريّة؛ إنّه طريقةٌ منضبطةٌ لتوسيع ما يسعك استقبالُه من غير أن تَعِدَك باستبدال ما لا يُستبدَل.
وقد وُثِّق هذا أوّلًا في موضعٍ يستحقّ أن يُذكَر هنا: كتاب Coaching Presence للدكتورة Tünde Erdős، الذي يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه، وهو دراسةٌ فريدةٌ قائمةٌ على الفيديو لمئاتٍ من جلسات الكوتش وعميله، لا على ما يقوله الناسُ عن أنفسهم وحسب. هناك أوّلًا أُرسِيَ التفكيرُ الحسّي مكتوبًا. لا أذكر هذا لأستند إلى سُلطةٍ خارجيّة، بل لأنّ هذا هو نوعُ التدقيق الذي أحبّ أن يقف عليه ما أُعلّمه: أن يُكتَب، ويُمحَّص، ويُربَط ببحثٍ حقيقيّ.
وإن لم تكن تشاركني ما أعتقد، إن كان إطارُك الذي تفهم به العالمَ مختلفًا، إيمانًا أو علمًا أو بحثًا لم ينتهِ بعد، فالبابُ مفتوحٌ لك أيضًا. منفعةُ هذا في الممارسة نفسها، لا في التفسير الذي تختار أن تضعه عليها؛ فالإحساسُ الذي يستقبله جسدُك تناله أنت كما أناله أنا، أيًّا كانت اللغةُ التي تشرح بها لماذا يعمل.
أمّا اليومَ فيكفي هذا: ليس الفرقُ في فكرةٍ جديدةٍ لم يقلْها أحد، بل في أنّ المتفرّقَ صار طريقًا واحدًا يُمشى؛ يبدأ من الجسد، ويعبر الدورةَ، ويعرف أيُّ رفيقٍ يقود، ويعرف أين يضع انتباهه، كلُّه في خدمة الحضور. والأبعدُ في هذا الطريق، أعمقُ ما يصير إليه الجسدُ مصدرًا للمعرفة، أن تطرح على جسدك سؤالًا مباشرًا وتدعَه يجيب. وهذا هو ما أُسمّيه Super Work — وهو ممّا يُعاش في الجلسة، لا يُقرأ في مقال.
حين تستعدّ، البابُ مفتوح.
إلى أين بعد هذا؟
- اقرأ التالي: «لا جديد هنا»؟ التفكير الحسّي إلى العقل الأكاديميّ ←
- جرِّب: احجز جلستك ←
- كُن أنتَ الكوتش: برنامج إعداد كوتش التفكير الحسّي (STCE) ←
- اطّلع على المرافق: «لا جديد هنا»؟ التفكير الحسّي إلى العقل الأكاديميّ ←
ابتكر التفكيرَ الحسّيَّ سامر حسن، ووثّقه أوّلًا ضمن كتاب Coaching Presence (تأليف الدكتورة Tünde Erdős، النشر: Open University Press / McGraw-Hill، 2021) — وهو كتابٌ يقوم على بحثها الرائد للدكتوراه عن الحضور في الكوتشينج.






